الصفحة 53 من 102

أَنْتَ أَيْضًا فَخَلَّاهُ. وَقَالَ لِلْآخَرِ: مَا تَقُولُ فِي مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي؟ قَالَ: أَنَا أَصَمُّ , فَأَعَادَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَأَعَادَ جَوَابَهُ فَقَتَلَهُ ; فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم , فَقَالَ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ أَخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ , وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ صَدَعَ بِالْحَقِّ فَهَنِيئًا لَهُ انْتَهَى. وَلَمْ يُذْكَر أَنَّهُمَا رَسُولَانِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وفي الموسوعة الفقهية:

ب - (بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ) :

تَقْسِيمُ الرُّخَصِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ يُمَثِّلُ وُجْهَةَ نَظَرٍ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ تَوَاطَأَتْ كَلِمَتُهُمْ سَلَفًا وَخَلَفًا عَلَى تَقْسِيمِهَا - بِالِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ - إلَى قِسْمَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ: الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: رُخَصٌ حَقِيقِيَّةٌ: 13 - وَهِيَ الَّتِي تَقَعُ فِي مُقَابَلَةِ عَزَائِمَ مَا يَزَالُ الْعَمَلُ بِهَا جَارِيًا لِقِيَامِ دَلِيلِهَا , وَهَذَا الْقِسْمُ يَنْقَسِمُ - بِدَوْرِهِ - إلَى قِسْمَيْنِ: 1 - مَا أَبَاحَهُ الشَّرْعُ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُحَرِّمِ , وَالْحُرْمَةِ مَعًا , وَهُوَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الرُّخَصِ ; لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَمَّا كَانَتْ قَائِمَةً مَعَ سَبَبِهَا , وَمَعَ ذَلِكَ شَرَعَ لِلْمُكَلَّفِ الْإِقْدَامَ عَلَى الْفِعْلِ دُونَ مُؤَاخَذَةٍ بِنَاءً عَلَى عُذْرِهِ , كَانَ ذَلِكَ الْإِقْدَامُ فِي أَكْمَلِ دَرَجَاتِهِ فَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعَفْوِ عَنْ الْجِنَايَةِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الْعُقُوبَةِ. وَلَيْسَ فِي الْأَمْرِ أَيُّ غَرَابَةٍ ; لِأَنَّ كَمَالَ الرُّخَصِ بِكَمَالِ الْعَزَائِمِ , فَكُلَّمَا كَانَتْ هَذِهِ حَقِيقِيَّةً كَامِلَةً ثَابِتَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ , كَانَتْ الرُّخْصَةُ فِي مُقَابَلَتِهَا كَذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرُوا - لِهَذَا الْقِسْمِ - أَمْثِلَةً مِنْهَا: التَّرْخِيصُ فِي إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ مَعَ اطْمِئْنَانِ الْقَلْبِ بِالْإِيمَانِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ بِالْقَتْلِ أَوْ بِالْقَطْعِ ; لِأَنَّ فِي امْتِنَاعِهِ عَنْ الْفِعْلِ إتْلَافَ ذَاتِهِ صُورَةً وَمَعْنًى , وَفِي إقْدَامِهِ عَلَيْهِ إتْلَافُ حَقِّ الشَّرْعِ صُورَةً دُونَ مَعْنًى حَيْثُ إنَّ الرُّكْنَ الْأَصْلِيَّ فِي الْإِيمَانِ - وَهُوَ التَّصْدِيقُ - بَاقٍ عَلَى حَالِهِ. وَمَعَ ذَلِكَ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَخْيِيرِهِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ , بَلْ رَجَّحَ الْحَنَفِيَّةُ مِنْهُمْ الْأَخْذَ بِالْعَزِيمَةِ فِي هَذَا الْمِثَالِ بِالْخُصُوصِ ; لِأَنَّ إحْيَاءَ النُّفُوسِ - هُنَا - يُقَابِلُهُ مَوْقِفٌ عَظِيمٌ مِنْ مَوَاقِفِ السُّمُوِّ وَالْإِبَاءِ وَالتَّمَسُّكِ بِالْحَقِّ مَهْمَا اشْتَدَّتْ الْفِتْنَةُ وَعَظُمَ الْبَلَاءُ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى هَذَا التَّرْجِيحِ بِمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مِنْ {أَنَّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ أَكْرَهَ رَجُلَيْنِ - مِنْ الْمُسْلِمِينَ - عَلَى الْكُفْرِ فَنَطَقَ أَحَدُهُمَا بِكَلِمَتِهِ فَنَجَا , وَأَصَرَّ الْآخَرُ عَلَى الْجَهْرِ بِالْحَقِّ فَهَلَكَ , فَقَالَ فِيهِمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ خَبَرُهُمَا: أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ أَخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ تَعَالَى , وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ صَدَعَ بِالْحَقِّ فَهَنِيئًا لَهُ} . 2 - مَا أَبَاحَهُ الشَّرْعُ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُحَرِّمِ وَتَرَاخِي الْحُرْمَةِ: مِثْلُ الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسَافِرِ , فَإِنَّ السَّبَبَ الْمُحَرِّمَ لِلْإِفْطَارِ - وَهُوَ شُهُودُ الشَّهْرِ - قَائِمٌ , لَكِنْ وُجُوبُ الصَّوْمِ أَوْ حُرْمَةُ الْإِفْطَارِ غَيْرُ قَائِمَةٍ عَلَى الْفَوْرِ بَلْ ثَابِتَةٌ عَلَى التَّرَاخِي بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} . وَالْعَمَلُ بِالْعَزِيمَةِ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالرُّخْصَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ , أَيْ الصَّوْمُ أَوْلَى مِنْ الْإِفْطَارِ عِنْدَهُمْ. أَوَّلًا: لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ - وَهُوَ شُهُودُ الشَّهْرِ - كَانَ قَائِمًا , وَتَرَاخِي الْحُكْمِ بِالْأَجَلِ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ التَّعْجِيلِ , مِثْلَمَا هُوَ الْأَمْرُ فِي الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ , فَكَانَ الْمُؤَدِّي لِلصَّوْمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَامِلًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي أَدَاءِ الْفَرْضِ , وَالْمُتَرَخِّصُ بِالْفِطْرِ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى التَّرْفِيهِ , فَقَدَّمَ حَقَّ اللَّهِ وَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ. ثَانِيًا: لِأَنَّ فِي الْأَخْذِ بِالْعَزِيمَةِ نَوْعَ يُسْرٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي شَهْرِ الصِّيَامِ أَيْسَرُ مِنْ التَّفَرُّدِ بِهِ بَعْدَ مُضِيِّ الشَّهْرِ. هَذَا إذَا لَمْ يُضْعِفْهُ الصَّوْمُ , فَإِذَا أَضْعَفَهُ كَانَ الْفِطْرُ أَوْلَى , فَإِنْ صَبَرَ حَتَّى مَاتَ كَانَ آثِمًا بِلَا خِلَافٍ. وَقَدْ رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ الْأَخْذَ بِالرُّخْصَةِ فِي هَذَا الْمِثَالِ , وَالْجَمِيعُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ إدْرَاكِ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ رَمَضَانَ. وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ أَخَذَ بِالْعَزِيمَةِ فَصَامَ فِي السَّفَرِ وَقَعَ صِيَامُهُ فِي الْفَرْضِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. الْقِسْمِ الثَّانِي: رُخَصٌ مَجَازِيَّةٌ: 14 - وَتُسَمَّى أَيْضًا - فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت