الصفحة 15 من 32

والصدق ما لم يطبق ذلك في الواقع حالًا وحركة وعملًا، وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شاقة على النفوس ومكلّفة قلّما يُوفق المسلم لأدائها وتحمل تبعاتها.

يقول رسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَان". وفي رواية:"وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان".

فـ"مَنْ"تفيد صيغة العموم، بمعنى أن كل واحد من الرعية مكلف ومطالب بالقيام بهذه الفريضة، وليس كما يدّعي بعض الجهلة والمبدّلين للكلم عن مواضعه، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص بأولي الأمر فقط.

والدليل واضح في هذه البيعة التي أمر فيها الرسول صلى الله عليه وسلم الأنصار - وكل المسلمين - بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يقيّدها بشروط، بل هو أمر عام ومفتوح للجميع.

ونحن نسأل هؤلاء المتفيقهين والمتعالمين: فكيف إذا كان أولوا الأمر قد عطّلوا هذه الفريضة - كما عطّلوا الكثير من الشرائع - بل تجدهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، بل وتراهم يقتلون ويحاربون الذين يأمرون بالقسط من الناس؟!

من خلال الحديث السابق يتبين لنا جليًا أن هذه الفريضة فيها درجات ومراتب، ومنوطة بالقدرة أو الاستطاعة (فمن لم يستطع) - كما هو شأن بقية الفرائض والواجبات - {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ، وقوله تعالى {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} . كما أنه ينبغي مراعاة تغليب المصلحة على المفسدة في كل عمل يقوم به المؤمن، حتى لا يضر من حيث يريد أن ينفع، وعليه أن يراعي الأولويات والأهم ثم المهم في حركته بهذا الدين.

فالحديث بدأ بالمرتبة العليا ألا وهي التغيير باليد، وهو المرادف لفريضة الجهاد في سبيل الله، وهو الأصل والأَوْلى، إذ أن هناك أمورًا لا يمكن أن تتغيِّر إلا باليد وهو استعمال القوة، وهذا أكبر دليل على أن العمل الجهادي هو الأصل والأحق بالاتباع والتزكية والمناصرة في العمل الإسلامي، وهو صفعة في وجوه كل من يدَّعي أو يبتغي سبلًا أخرى للتغيير غير سبيل الجهاد في سبيل الله وهو التغيير باليد.

ولا شك أن المنكرات مراتب ودرجات، كما أن المعروف أيضًا درجات ومراتب، وعليه فإنه ينبغي البدء في النهي عن المنكر الأكبر والأمر بالمعروف الأكبر، وما من شك أن المنكر الأكبر في هذه الأيام هو غلبة الكفر والردة وبسط قوانينها على مجتمعاتنا، وكل المنكرات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت