وملاحقتهم، وتدمير مراكزهم، واصطيادهم حتى في مراكبهم، فهذا كله من مظاهرتهم على المسلمين والتي هي كفرٌ أكبر مخرجٌ من الملة والله تعالى أعلم.
هذا وللإمام الشافعي كلامٌ في قصة حاطب رضي الله عنه يُفهِم أن التجسس على المسلمين لا يكون بحالٍ كفرًا بينًا، وهو مشكلٌ بلا شك، فقد سُئل -رحمه الله-:[أرأيت المسلم يكتب إلى المشركين من أهل الحرب بأن المسلمين يريدون غزوهم أو بالعورة من عوراتهم هل يحل ذلك دمه ويكون في ذلك دلالة على ممالاة المشركين؟
قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: لا يحل دم من ثبتت له حرمة الإسلام إلا أن يقتل، أو يزني بعد إحصان، أو يكفر كفرًا بينًا بعد إيمان، ثم يثبت على الكفر، وليس الدلالة على عورة مسلم ولا تأييد كافر بأن يُحَذَّر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفرٍ بين] (الأم: 4/ 264) .
فأولًا: سؤال السائل يدل على أن المتقرر عنده أن ممالأة الكفار على المسلمين هي مما يحل به دم المسلم، وهي غاية لو وصلها فعله لصار بها مباح الدم، فكان جزءًا من سؤاله منصبًا على ما إذا كانت كتابة المسلم للمشركين تحذيرًا لهم، أو دلالة على عورة من عورات المسلمين، يدخل في معنى الممالاة أم لا، وعلى هذا فلو حُكم بأنها داخلة في معناها فهي مما يُحل دمه لأنها مخرجة له من الإسلام، فالممالأة معناها في اللغة المساعدة والمشايعة والمعاونة كما قال العلامة الزبيدي -رحمه الله-: [ومَلأَه على الأَمرِ كمَنَعَه ليس بمشهور عند اللغويين: ساعَدَه وشايَعَه أَي أَعانَهُ وقوَّاه كَمَالأَهُ عليه مُمَالأَةً. وتَمَالَئُوا عليه أَي اجْتَمَعوا] (تاج العروس: 1/ 226) ، وهذا كما قال عمر في النفر الذين اجتمعوا على قتل رجلٍ فقتلهم به وقال: [لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا] ، ومنه الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ألا إنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم فليس مني ولا أنا منه، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه] قال الهيثمي: فيه راو لم يسم وبقية رجاله رجال الصحيح.
ثانيًا: أن سؤاله تضمن صورتين: الأولى: المسلم يكتب إلى المشركين من أهل الحرب بأن المسلمين يريدون غزوهم، وهذا هو ما فعله حاطب في الجملة وإن كانت قرائن الحال وروافده تدل على أن