فمن المعلوم أن مظاهرة الكفار وإعانتهم على المسلمين مشتملة على مُضارَّتهم ولا بد، فبمجرد أن يكون المسلم معينًا لأهل الكفر على أهل الإسلام بنفسٍ أو مالٍ أو رأيٍ أو كتابةٍ فإنه بتلك (الإعانة) قد صار مضرًا للدين وأهله، فهذا الإضرار الذي تتضمنه (المظاهرة) هو الذي نفاه حاطب عن كتابه فقال: [فكتبت كتابًا لا يضر الله ورسوله شيئًا وعسى أن يكون منفعة لأهلي] قال الهيثمي في المجمع: رواه أبو يعلى في الكبير، والبزار والطبراني في الأوسط باختصار ورجالهم رجال الصحيح، قلت: وكذا رواه الحاكم، والضياء في المختارة وصحح إسناده.
وكذلك فإن عمر رضي الله عنه قد بادر بالحكم على حاطب بأنه (قد كفر) و (أنه نافق) و (أنه نكث وظاهر أعداءك عليك) وغير ذلك من العبارات التي تدل على أن المتقرر عند الصحابة رضي الله عنهم هو أن هذا الجنس من الأعمال هو مما يكَفَّر به، وليس جاريًا مجرى سائر المعاصي، وكما ذكرت من قبل أن القصة واحدة بلا شك، ومن ثم فإن الرواة قد رووها بألفاظ مترادفة أو متقاربة، فالمتقرر عندهم أن (النكث ومظاهرة أعداء الدين على أهله) يساوي (الكفر) و (النفاق) فعبروا تارة بهذه وتارة بهذه، ويبعد أن يكون عمر قد نطق بكل هذه العبارات في نفس المجلس لا سيما وأن ألفاظ الروايات أكثر مما ذكرتُ.
فلا تناقض إذًا ولا تعارض بين التأكيد على أن حكم مظاهرة الكفار على المسلمين وممالأتهم عليهم سواء بنفسٍ، أو مالٍ، أو تجسسٍ، أو رأيٍ هو حكمٌ محكمٌ دلت عليه الآيات والأحاديث ونقل غير واحد من العلماء الاتفاق عليه، وبين خصوص فعل حاطبٍ رضي الله عنه والذي لم يكن في حقيقته من قبيل المظاهرة والإعانة، وإن كان مشتبهًا بها قريبًا منها، ولذلك فمثله يعد من الأمور المحتملة للتكفير بها وليس نصًا صريحًا قطعيًا فيه، وتحديد كونه كفرًا أم لا يعرف بقول مرتكبه أو حاله وبالقرآئن والشواهد والدلائل التي تحف به، كما هو الحال في سائر الأمور المحتملة للكفر.
فلا ينبغي الخلط بين (هفوة) حاطب وزلته التي تشهد حاله وأعماله بأنه أبعد ما يكون عن المظاهرة والمناصرة للكفار على المسلمين وبين ما يفعله جواسيس العصر الذين هم"جنود الحرب الاستخباراتية"حيث أوقفوا أنفسهم وفرغوا أوقاتهم وبذلوا جهودهم لتتبع المجاهدين والتدقيق في مكامن غرتهم، والمغامرة للوصول إلى مواطنهم ومراكزهم، ووصْل الليل بالنهار لجمع المعلومات عنهم، ثم بعد ذلك تقديم كل ما تحصلوا عليه واجتهدوا في تجميعه إلى أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وأعوانهم المرتدين لتكون لهم عونًا وسندًا في تقتيل المجاهدين، وأسرهم،