فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 145

الجلاء والخفاء والبيان والاشتباه، فقد يكون شأنه في غاية الوضوح في بلد من البلدان كالعراق، أو أفغانستان، أو فلسطين، أو الصومال، أو الشيشان ونحوها، وما دون ذلك درجات، إذ قد تزداد الشبهة ويعظم التلبيس من بلد إلى بلد، بل في البلد الواحد يختلف الحال من زمن إلى زمن بحسب قوة معارضة الحق لتلبيسات الباطل وتبديد شبهات أهل الضلال والله المستعان.

وانظر كيف فرق الإمام ابن حزم -رحمه الله- في أحكام المقيمين في بلدان تغلب عليها الكفرة، وذلك بحسب ظهور كفر هؤلاء المتغلبين ومجاهرتهم به وإعلانهم البراءة من الإسلام، في مقابل من يتستر به وإن كان في حقيقة أمره مارقًا زنديقًا، فقال بعد أن ذكر الصور التي نقلناها عنه آنفًا:[وليس كذلك من سكن في طاعة أهل الكفر من الغالية ومن جرى مجراهم، لأن أرض مصر والقيروان وغيرهما فالإسلام هو الظاهر، وولاتهم على كل ذلك لا يجاهرون بالبراءة من الإسلام، بل إلى الإسلام ينتمون وإن كانوا في حقيقة أمرهم كفارًا.

وأما من سكن في أرض القرامطة مختارًا فكافرٌ بلا شك؛ لأنهم معلنون بالكفر وترك الإسلام ونعوذ بالله من ذلك.

وأما من سكن في بلد تظهر فيه بعض الأهواء المخرجة إلى الكفر فهو ليس بكافر، لأن اسم الإسلام هو الظاهر هنالك على كل حال من التوحيد، والإقرار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، والبراءة من كل دين غير الإسلام، وإقامة الصلاة، وصيام رمضان، وسائر الشرائع التي هي الإسلام والإيمان ...

ولو أن كافرًا مجاهدًا غلب على دار من دور الإسلام وأقر المسلمين بها على حالهم، إلا أنه هو المالك لها، المنفرد بنفسه في ضبطها، وهو معلن بدين غير الإسلام لكفر بالبقاء معه كل من عاونه وأقام معه وإن ادعى أنه مسلم لما ذكرنا] (المحلى: 11/ 200) . وقوله: (كافرًا مجاهدًا) لعلها في الأصل (مجاهرًا) كما نبه على ذلك غير واحد من أهل العلم.

وهذا يبين لك أن ظهور الكفر وإعلانه والمجاهرة بالبراءة من الإسلام وشرائعه له تأثير كبير في الحكم على أعيان الناس لا سيما مع شيوع الجهل وانتشار التلبيس، فالحال يختلف من بلد إلى بلد، ومن زمن إلى زمن حتى في البلد الواحد كما فرق بعض علماء المالكية في حق المقيمين تحت دولة العبيدين بين أول أمرهم حيث لم تظهر حقيقتهم للناس وبين حال انكشافها وبروزها آخرًا، فقد سأل أبو محمد الكراني من علماء القيروان عمن أكرهه بنو عبيد على الدخول في دعوتهم أو يُقتل؟ قال: [يختار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت