فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 145

قال الإمام ابن جرير -رحمه الله- في هذه الآية: [يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله (لا تخونوا الله) ، وخيانتهم الله ورسوله، كانت بإظهار من أظهر منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الإيمانَ في الظاهر والنصيحةَ، وهو يستسرُّ الكفر والغش لهم في الباطن، يدلُّون المشركين على عورتهم، ويخبرونهم بما خفى عنهم من خبرهم.] (تفسير الطبري: 13/ 480)

ثم ليعلم أن هذا الحكم في أصله ليس خاصًا بمن تجسس للكفار الأصليين من يهود، أو نصارى، أو هندوس، أو مجوس، أو ملحدين، أو وثنيين، بل يدخل في ذلك من يتجسس للمرتدين أيضًا كالحكام المرتدين في عصرنا، ولا فرق في أصل الحكم بين هؤلاء وأولئك؛ لأن فعله قد صدق عليه قيام معنى مظاهرة الكفار على المسلمين التي هي ناقض من نواقض الإسلام ولهذا قال العلامة حمد بن عتيق -رحمه الله-:[فنهى سبحانه وتعالى المؤمنين أن يوالوا اليهود والنصارى، وذكر أن من تولاهم فهو منهم، أي من تولى اليهود فهو يهودي، ومن تولى النصارى فهو نصراني.

وقد روى ابن أبي حاتم، عن محمد بن سيرين، قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا، وهو لا يشعر، قال: فظنناه يريد هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء) ، إلى قوله: (فإنه منهم) وكذلك من تولى الترك، فهو تركي، ومن يتولى الأعاجم فهو عجمي، فلا فرق بين من تولى أهل الكتابين أو غيرهم من الكفار.] (سبيل النجاة والفكاك) ، ومقصود الإمام بذكره التركي والأعجمي الكفرة منهم لأن مجرد النسبة التي ذكرها لا يتعلق بها حكم شرعي في الأصل فليتنبه.

كما أنه لا فرق في هذا الحكم بين من كان جزءًا من المنظومة الاستخباراتية، أو أجهزة الأمن، بحيث يُعدُّ لدى أصحاب هذه الأجهزة فردًا من أفرادها وجنديًا من جنودها وهي مهنته الأصلية ووظيفته الأساسية التي يؤديها، وبين مَن يمارسها على سبيل الانتداب أوالتطوع أو التبرع وإن لم تعده دوائر الاستخبارات والأمن منتميًا انتماء تامًا إليها، لأن العبرة كما ذكرت مرارًا بوجود صفة التجسس بأركانها، لا بما يظنه المتجسس أو أولياؤه الكفرة الذين يعينهم ببحثه وتحسسه وتطلعه.

تنبيه مهم: ويجدر التنبيه إلى أن ما ذكرته هنا هو تقرير لأحكام شرعية مطلقة عامة قد يوجد فيها بعض الاستثناءات الجزئية حينما يتعلق الأمر ببعض الأعيان والأشخاص الذين يُكتشف أن لديهم مانعًا معتدًا به كجهلٍ حقيقي، أو تأويل سائغ أو نحو ذلك، كما أن الأمر ليس على وتيرة واحدة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت