فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ» [1] . ورجح القرطبي المساواة في الأجر. فالله أعلم.
شروط رفع الحرج واستحقاق الثواب لأصحاب الأعذار
قال الله عز وجل: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} [2] .
علق الله تعالى رفع الحرج عن أصحاب الأعذار في هذه الآية على شرطين:
1 = {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} ، وإذا من أدوات الشرط: فهذا شرط النصح.
2 = {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} : وهذا شرط الإحسان الذي هو ضد الإساءة.
قال ابن كثير: [فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم ولم يرجفوا بالناس ولم يثبطوهم وهم محسنون في حالهم هذا]
قال القرطبي: [ {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} ، إذا عرفوا الحق وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه ـ ثم قال ـ قال العلماء: النصيحة لله: إخلاص الاعتقاد في الوحدانية، ووصفه بصفات الألوهية، وتنزيهه عن النقائص، والرغبة في محابه والبعد عن مساخطه. والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوته واِلتزام طاعته في أمره ونهيه، وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، وتوقيره، ومحبته ومحبة آل بيته، وتعظيمه وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها والتفقه فيها والذب عنها ونشرها والدعاء إليها، والتخلق بأخلاقه الكريمة صلى الله عليه وسلم] [3] .
ويمكن ترجمة هذا عمليا في أمر الجهاد، بأن الواجب على أصحاب الأعذار هو ما يلي:
1 = إخلاص النية وصدقها: بأن تكون نفسه تَوَّاقة حقا للجهاد، كهؤلاء الذين وصفهم الله بقوله: {تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ} والحق أن المعذور الذي لا يغزو إن لم تحدثه نفسه بالغزو فإنه يخشى عليه من النفاق، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِفَاقٍ» [4] . والنية عمل فهي من أعمال القلب، والعمل الصحيح لابد أن يسبقه العلم الصحيح، والعلم المقصود هنا هو أن يعلم المعذور ـ وأولى منه
(1) - الحديث رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
(2) - سورة التوبة، الآية: 91 ـ 92
(3) - القرطبي ج 8 ص 226 ـ 227
(4) - رواه مسلم عن أبي هريرة.