فالذين قالوا بوجوب الجهاد على المرأة في كل مواضع الجهاد العيني، أخذوا هذا من القاعدة الفقهية القاضية بأن فروض العين تجب على كل مسلم مكلف (بالغ عاقل) بلا تفريق بين الذكر والأنثى. كما نقلته عن الكاساني من الأحناف والرملي من الشافعية.
إلا أن النصوص الشرعية الخاصة بجهاد النساء تخالف هذه القاعدة ويجب الأخذ بها. وتفصيلها كالتالي:
روى البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه (باب جهاد النساء) عن عائشة «استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فقال جهادكن الحج» . قال ابن حجر: [وقال ابن بطال: دل حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء، ولكن ليس في قوله: «جهادكن الحج» أنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد] [1] ، وفي رواية أحمد بن حنبل عن عائشة قالت: «قلت: يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ قال: جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة» [2] ، فهذا الحديث بَيَّن أن المرأة غير مخاطبة بالجهاد بدون تفريق بين ما هو فرض كفاية وما هو فرض عين. وكذلك لم يفرق الشراح (ابن حجر وابن بطال) بين الفرضين في حق النساء.
وقد كان الجهاد يتعين كثيرا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يَرِد إلينا نص ولو ضعيف في أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء بالقتال حتى نعتبر هذا النص مُخَصَّصا لحديث عائشة السابق.
فمن المواضع التي يتعين فيها الجهاد، إذا استنفر الإمام قوما لزمهم النفير، ومن ذلك غزوة تبوك لم يستنفر النبي صلى الله عليه وسلم قوما دون قوم بل كان النفير عاما بدلالة قوله تعالى في شأن هذه الغَزَاة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} [3] ، ومعلوم أن الخطاب ب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} يشتمل الرجال والنساء، إلا أن النساء لم يخرجن في هذه الغزوة بدليل قول علي بن أبي طالب ـ لما استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة في هذه الغزوة ـ قال علي (أتخلفني في النساء والصبيان) [4] . وهذا يدل على أن النفير العام لا يشمل النساء، وبالتالي يبقى حديث عائشة السابق على عمومه دون تخصيص.
وأيضا من المواضع التي يتعين فيها الجهاد، إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم، وهذا حدث على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق، قال تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} [5] ، ولم تخرج النساء للقتال في هذه الغزوة بل جُعِلْن في الآطام والحصون [6] .
(1) - فتح الباري ج 6 ص 75 ـ 76
(2) - صححه الألباني (إرواء الغليل ج 5حديث 1185)
(3) - سورة التوبة، الآية 38
(4) - رواه البخاري (4416)
(5) - سورة الأحزاب، الآية: 10
(6) - سيرة ابن هشام ط صبيح 1391 ص:705،711