ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل منهم» أ ـ هـ]. فهؤلاء الموصوفون يخشون ألا تقبل أعمالهم لسببين:
الأول: أن (الأعمال بالخواتيم) وهم لا يدرون بم سوف يختم لهم.
الثاني: أنه وإن ختم لهم بخير فإنهم لا يدرون هل سيقبل الله عملهم أم لا؟ فإن العمل قد يكون ظاهره الخير والتمام، إلا أن هناك عِلَّة خفية تمنع قبوله عند الله كالرياء والعجب والمن والأذى وأكل الحرام، وغيرها. وإن خلص العمل من علل عدم القبول فالأمر بعد ذلك موقوف على رحمة الله تعالى للعبد، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لن ينجو أحد منكم بعمله» [1] . وقال صلى الله عليه وسلم: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ لا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ قَالُوا وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ» [2] . وقال ابن حجر: [وأن الجنة لا يدخلها أحد بعمله بل برحمة الله ـ إلى قوله ـ وقال ابن الجوزي: يتحصل عن ذلك أربعة أجوبة: الأول: أن التوفيق للعمل من رحمة الله، ولولا رحمة الله السابقة ما حصل الإيمان ولا الطاعة التي يحصل بها النجاة، الثاني: أن منافع العبد لسيده فعمله مستحق لمولاه، فمهما أنعم الله عليه من الجزاء فهو من فضله، الثالث: جاء في بعض الأحاديث أن نفس دخول الجنة برحمة الله واقتسام الدرجات بالأعمال، الرابع: أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير والثواب لا ينفذ، فالإنعام الذي لا ينفذ في جزاء ما ينفذ بالفضل لا بقابلة الأعمال. أ ـ هـ] [3] .
المقصد من هذا: أن المسلم القاصد للجهاد في سبيل الله، عليه أن يحرص أشد الحرص على ألا يفسد ثواب جهاده بأي شيء من الأعمال الظاهرة أو القلبية سواء وهو في ميدان الجهاد أو فيما يَسْتَقْبِل من عمره حتى يلقى الله تعالى. نسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة وقبول الأعمال الصالحة.
مسألة:
سألني أحد الإخوة، قال: إذا أخذ المجاهد عطاءًا (أي معاشا ماليا) لينفق على نفسه أو على عياله، أو إذا غزا فنال شيئا من الغنيمة، هل ينقص ذلك من ثواب جهاده عند الله شيئا، مع العلم بأنه ما خرج للجهاد إلا لتكون كلمة الله هي العليا؟
الجواب: نعم، كل نفع دنيوي يحصل للمجاهد في سبيل الله ضِمْنًا لا قصدا ينقص من أجره عند الله. وتفضيل ذلك أن الخارج للجهاد لا تخلوا نيته عن حال من أربع:
الأولى: رجل خرج للغزو وليس قصده أن تكون كلمة الله هي العليا، بل قصده المال أو الرياسة أو السمعة أو غير ذلك من حظوظ الدنيا، أو التجسس على المسلمين أو ليخلو برجل من المسلمين ليقتله أثناء الحرب. فهذا في النار، لحديث أبي هريرة الذي ذكرته من قبل، وفيه: «قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ
(1) - رواه مسلم عن لأبي هريرة
(2) - رواه البخاري عن عائشة
(3) - (فتح الباري) ج 11 ص 295 ـ 296