دل عليها حكم شرعي صريح، أما إن كان فعل الأمير أو قوله يحتمل عدة أوجه فلا ينبغي الإنكار عليه إلا بعد التبيُّن.
وأقول أيضا يستثنى من المعاصي أمران: الأول أن يمنع الأمير رعيته بعض حقوقهم، والثاني أن يستأثر بحظ دنيوي دونهم فتجب الطاعة وإن وقع الأمير في هذا ويُنْصَح، وذلك للأحاديث:
الأول: عن وائل بن حجر - رضي الله عنه - قال: سأل سلمة بن يزيد الجُعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم» [1] ، فالطاعة واجبة وإن منع الأمير حق الرعية.
الثاني: عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فَبَايَعْنَاهُ فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ قَالَ «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» [2] . قال ابن حجر «فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا» أي في حالة نشاطنا وفي الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به، ونقل ابن التين عن الداودي أن المراد: الأشياء التي يكرهونها قال ابن التين: والظاهر أنه أراد في وقت الكسل والمشقة في الخروج ليطابق قوله منشطنا. قلت: ويؤيده ما وقع في رواية إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن عبادة عند أحمد «في النشاط والكسل» . قوله «وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا» في رواية إسماعيل بن عبيد «وعلى النفقة في العسر واليسر» .. قوله «وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا» . قال حاصلها الإختصاص بحظ دنيوي. والمراد أن طواعيتهم لمن يتولى عليهم لا تتوقف على إيصالهم حقوقهم بل عليهم الطاعة ولو منعهم حقهم] [3] .
وورد أيضا حديث أبي هريرة مرفوعا «عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك» [4] . وقال النووي: [قال العلماء: معناه تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية ـ إلى قوله ـ والأثرة هي الإستئثار والإختصاص بأمور الدنيا عليكم، أي اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم، وهذه الأحاديث في السمع والطاعة في جميع الأحوال، وسببها اجتماع كلمة المسلمين، فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم] [5] .
قلت: ولعل الحكمة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة للأمراء وإن منعوا الناس حقوقهم أو استأثروا بحقوق الدنيا دونهم، هو ارتكاب أخف الضررين، فإن تضرر الرعية بهذا المنع والأثرة أخف من ضرر الخروج على الأمراء وما يتبع ذلك من الإختلاف والتفرق.
(1) - رواه مسلم.
(2) - متفق عليه.
(3) - فتح الباري ج 13 ص 6 ـ 8
(4) - رواه مسلم.
(5) - صحيح النووي على مسلم ج 12 ص 224 ـ 225