فهرس الكتاب

الصفحة 396 من 403

مما سبق تعلم أن التوكل كعمل من أعمال القلب هو ثمرة الفقه في أسماء الرب جل وعلا وصفاته، وتعلم كذلك أنه شرط في الإيمان، وهذا يستفاد أيضا من قوله تعالى {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [1] ، قال ابن القيم في معنى هذه الآية: [فجعل التوكل على الله شرطا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه، وفي الآية الأخرى {وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [2] ، فجعل دليل صحة الإسلام التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفا كان دليلا على ضعف الإيمان ولابد ...

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: [وما رجا أحد مخلوقا ولا توكل عليه إلا خاب ظنه فيه، فإنه مشرك، قال تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [3] ] [4] .

قلت: الشرك في التوكل هو أن تعتمد على المخلوق أو على الأسباب فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى وحده، كمن يتوكل على الموات والطواغيت في رجاء مطلوبه من نصر أو رزق، وكمن يأخذ بالأسباب ويعتقد أنها الفاعلة، كمن يتعاطى الدواء ويعتقد أنه الشافي، وكمن يُعد العدة من الرجال والسلاح ويعتقد أنها سبب النصر.

وهذا يجعلنا نتكلم عن علاقة التوكل بالأخذ بالأسباب، قال ابن رجب: [واعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله سبحانه وتعالى المقدورات بها وجرت سنته في خلقه بذلك، فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالسَّعْي في الأسباب بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلب عليه إيمان به] [5] .

قلت ففي جهاد الأعداء أمر الله تعالى بإعداد العدة {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} وأمر سبحانه بأخذ الحذر {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} ، ولبس النبي صلى الله عليه وسلم الدرع والمغفر وحفر الخندق وبعث الطلائع والعيون، مق قوله تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [6] ، ولذلك لما ظن الصحابة ترتب النصر على الأسباب هُزِموا، قال تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا} [7] ، فردهم سبحانه إلى الأمر الأول وهو {وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} .

فالأخذ بالأسباب من سنن الأنبياء، والأخذ بالأسباب واجب، حيث تجب، مع ترك الإعتماد عليها، بل الإعتماد على الله وحده لا شريك له في حصول المقصود بعد الأخذ بالأسباب.

(1) - سورة المائدة، الآية: 23

(2) - سورة يونس، الآية: 84

(3) - سورة الحج، الآية: 31

(4) - فتح الباري المجيد شرح كتاب التوحيد باب (وعلى الله فتوكلوا) .

(5) جامع العلوم والحكم ص 380

(6) سورة آل عمران، الآية: 126 وسورة الأنفال، الآية: 10

(7) سورة التوبة، الآيتان: 25

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت