فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 403

نفذ حكمُه عليهما] [1] . وموضع الاستشهاد هو قوله إذا كان الإمام مفقودا صح أن يولي الناس عليهم قاضيا. أما قوله إن كان الإمام موجودا بطل التقليد فلا ينقض ما ذهبنا إليه في الحال الأول إذ إن تقليد القضاة من حقوق الإمام، وما ذكرناه في الحال الأول هو تحكيم حكم وليس تولية قاض، وقد ذكرت أوجه الاختلاف بين الحكم وبين القاضي أعلاه.

? وقد تكلم إمام الحرمين الجويني عن هذه المسألة بإسهاب فقال: [وقد حان الآن أن أفرض خلو الزمان عن الكفاة ذوي الصرامة، خلوه عمن يستحق الإمامة ـ إلى قوله ـ أما ما يسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم، ولكن الأدب يقتضي فيه مطالعة ذوي الأمر، ومراجعة مرموق العصر، كعقد الجُمَع وجر العساكر إلى الجهاد، واستيفاء القصاص في النفس والطرف، فيتولاه الناس عند خلو الدهر ـ إلى قوله ـ وإذا لم يصادف الناس قواما بأمورهم يلوذون به فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عما يقدرون عليه من دفع الفساد فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن، عم الفساد البلاد والعباد ـ إلى قوله ـ وقد قال بعض العلماء: لو خلا الزمان عن السلطان فحق على قطان كل بلدة وسكان كل قرية أن يقدموا من ذوي الأحلام والنهي وذوي العقول والحجا، من يلتزمون امتثال إشاراته وأوامره، وينتهون عند مناهيه ومزاجره فإنهم لو لم يفعلوا ذلك، ترددوا عند إلمام المهمات وتبلدوا عند إطلال الواقعات ـ إلى قوله ـ ثم كل أمر يتعاطاه الإمام في الأمور المفوضة إلى الأئمة فإذا شغر الزمان عن الإمام، وخلا عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية/ فالأمور موكولة إلى العلماء، وحق على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم، فإن فعلوا ذلك، فقد هدوا إلى سواء السبيل، وصار علماء البلاد ولاة العباد. فإن عسر جمعهم على واحد استبد أهل كل صقع وناحية باتباع عالمهم، وإن كثر العلماء في الناحية، فالمهم أعلمهم، وإن فرض استواؤهم، ففرضهم نادر لا يكاد يقع، فإن اتفق فإصدار الرأي عن جميعهم مع تناقض المطالب والمذاهب محال، فالوجه أن يتفقوا على تقديم واحد منهم. فإن تنازعوا وتمانعوا وأفضى الأمر إلى شجار وخصام فالوجه عندي في قطع النزاع الإقراع، فمن خرجت له القرعة قُدِّم] [2] .

? ثم قال الجويني إنه إذا خلا الزمان عن العلماء المجتهدين ولم يبق إلا نقلة مذاهب الأئمة قال: [إن الفقيه الذي وصفناه يحل في حق المستفتي محل الإمام المجتهد الراقي إلى رتبة العليا في الخلال المرعية] [3] .

? وما ذكره الجويني من تولى نقلة المذاهب للفتوى عند خلو الزمان عن المجتهدين قرره ابن القيم فقال: [إذا تفقه الرجل وقرأ كتابا من كتب الفقه أو أكثر، وهو مع ذلك قاصر في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف والاستنباط والترجيح، فهل يسوغ تقليده في الفتوى؟ فيه للناس أربعة أقوال: الجواز مطلقا، والمنع مطلقا، والجواز عند عدم المجتهد ولا يجوز مع وجوده، والجواز إن كان مطالعا على مأخذ من يفتي بقولهم والمنع إن لم يكن مطالعا.

(1) - (الأحكام السلطانية) ص 73

(2) - ص 385 ـ 391

(3) - ص 427 (الغياثي) ط2 تحقيق د/عبد العظيم الديب1401هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت