ومن كيد الشيطان: أنه غلظ أمر الأعراب عند بعض الناس , حتى صار منهم من يتجاوز الحد الشرعي , وحكم عليهم بأحكام مخالفة للكتاب والسنّة , فمن الناس من يرى جهادهم حتى يلتزموا سكنى القرى , أو أنهم لا يستقيم لهم دين حتى يهاجروا , فالواجب على كل مسلم رد ما تنازع فيه المتنازعون , إلى كتاب الله وسنّة نبيه - صلى الله عليه وسلم - , ولا يرد ذلك إلى محض الجهل والهوى.
ومن علم سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأعراب الذين في زمانه , وسيرة الخلفاء الراشدين , تبين له الحق , فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعوهم إلى توحيد الله , وإقام الصلاة , وإيتاء الزكاة , قال تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5] . وقال: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين [التوبة: 11] .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث بريدة الطويل , الذي في صحيح مسلم , إنه كان إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية , إلى قوله: (( ثم ادعهم إلى الإسلام , فإن أجابوك لذلك فاقبل منهم , وكف عنهم , ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين , فإن أبوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين , يجري عليهم حكم الله , ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء , إلا يجاهدوا مع المسلمين ) ).
فدل الحديث: على أنه كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعراب , ولم يلزمهم بالهجرة إلى القرى , ومن ألزمهم بذلك , ورآه ديناه , فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله.
وقال ابن القيم رحمه الله - في الهدى النبوي , في آخر الوفد - وقدم عليه وفد بني عبس , فقالوا: يا رسول الله , قدم علينا قراؤنا , فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له , فلا خير في أموالنا ومواشينا , بعناها وهاجرنا عن آخرنا , فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( اتقوا الله حيث كنتم , فلن يلتكم من أعمالكم شيئًا ) ).
نعم: يجب على ولي الأمر , إلزام الأعراب بشرائع الإسلام , وكفهم عن المحرمات عن المحرمات من الشرك وغيره , كغيرهم من المسلمين , وبعث دعاة يعلمونهم شرائع الإسلام؛ إذا علمت أنه لا يجوز إلزامهم بغير ذلك , تبين لك: أنه لا يجوز هجر من قدم على الحاضرة منهم , إلا من كان مجاهرًاُ بالمعاصي , وهذا خاصًا بالأعراب.
نعم: حديث بريدة يدل على استحباب الهجرة لأعراب المسلمين والحالة هذه , وترغيبهم فيها , ولما يترب على الهجرة من تعلم شرائع الإسلام , وشهود الجمع والأعياد.
ومن الأمور التي أوقعها الشيطان: أن الإنسان إذا هاجر , وسكن قرية من قرى المسلمين , واتخذ ماشية من إبل أو غنم , وخرج ليرعاها في وقت من الأوقات , ومن نيته الرجوع إلى ذلك المحل , هجر عن السلام , وفي زعم الذي هجره: أن خروجه مع ماشيته ومعصية , وهذا جهل وضلال , فإنه فعله ذلك قد أباحه الرسول - صلى الله عليه وسلم - , فلا يجوز هجره والإنكار عليه والحالة هذه.