وفي كتاب محمد بن وضاح , قال: قال أسد بن موسى , جاء في الأثر: من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة , ووكل إلى نفسه؛ وفي أثر آخر: من جالس صاحب بدعة , فقد أعان على هدم الإسلام؛ وقال الأوزاعي: كانت أسلافكم تشتد ألسنتهم على أهل البدع , وتشمئز منهم قلبوهم , ويحذرون الناس بدعتهم؛ وعن الحسن: لا تجالس صاحب بدعة , فإنه يمرض قلبك؛ وقال إبراهيم النخعي: لا تجالسوا أهل البدع , ولا تكلموهم , فإني أن ترد قلوبكم؛ روى هذه الآثار ابن وضاح.
قال إمام الدعوة الإسلامية , وناصر الملة الحنيفة , شيخ الإسلام والمسلمين , شيخنا: الشيخ محمد بن عبد الوهاب , قدّس الله روحه , ونوّر ضريحه , وطيّب ثراه , وجعل الجنة منقلبه ومأواه: فإذا كان هذا كلام السلف , في أهل البدع والضلال , والتحذير عن مجالستهم , مع كون بعضهم لم يخرج ببدعته عن الإسلام فكيف الحال بمجالسة أهل الكفر , والشرك والنفاق , الذين باينوا أهل الإسلام , وخالفوهم؟ انتهى.
فمن أكرم من تلك نحلته , وتلك طريقته , كان دليلًا على عدم فقهه , وبصيرته في دين الإسلام , وعدم فرقة بين عابدي الرحمن , وعابدي الأوثان , والضدان عنده يجتمعان؛ فلضعف بصيرته: نهج هذا المنهج , وأعرض عن الحق بعد ما اتضح وابلولج، فيخشى عليه أن يحشر يوم القيامة معهم , ويكون من جملتهم , كما كان في الدنيا من أصدقائهم ومعاشرهم , عياذًا بك اللهم من تلك الأحوال والأعمال , التي تؤول بصاحبها إلى الخزي والوبال , وسوء المنقلب في الحال والمآل.
وأكثر الخلق: إنما يحمله على الوقوع في تلك الورطات , الحرص على تحصيل الدنيا , والتقرب عند أهلها , وتسليك حاله معهم , ولو فسد عليه دينه , وانهدم إيمانه، نسأل الله العفو والعافية، في الدنيا والآخرة؛ اللهم يا مقلب القلوب: ثبت قلوبنا على دينك.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: أوحي الله إلى نبي من الأنبياء , أن قل لفلان العابد: أما زهدك في الدنيا فتعجلت به راحة نفسك , وأما انقطاعك إلي فتعززت به، فماذا عملت في مالي عليك؟ قال: يارب فمالك علي؟ قال: هل واليت لي وليًا , أو عاديت لي عدوًا؟
وقد قال تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} [الأنفال: 73] قال بعض العلماء الفضلاء: الفتنة في الأرض الشرك , والفساد الكبير اختلاط المسلم بالكافر , والمطيع بالعاصي , فعند ذلك يختل نظام الإسلام , وتضمحل حقيقية التوحيد , ويحصل من الشر ما الله به عليم.
فلا يستقيم الإسلام , ويقوم قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , ويرتفع علم الجهاد , إلا بالحب في الله والبغض فيه وموالاة أوليائه , ومعاداة أعدائه , والآيات الدالة على ذلك , أكثر من أن تحصر.