ونحن إذا تأملنا هذا الحبّ - الذي نحن بصدد الحديث عنه - فإننا سنجد أنه يكاد يكون ضررًا محضًا لا نفع فيه ، سوى مجرد أحلام وأوهام ، ومتعة قصيرة زائلة ، يعقبها همّ وغمّ وآلام لا تنقطع ، وذل لا يفارق صاحبه ، إلا أن يتدركه الله برحمة منه ، كما قال الشاعر:
مساكين أهل الحبّ حتى قبورهم عليها غبار الذلّ بين المقابر
وكل كائن حيّ مفطور على حبّ ما ينفعه ، واجتناب ما يؤذيه ويضره ، إلا أن الإنسان على وجه الخصوص - على الرغم من تكريم الله له بنعمة العقل - حين يغلبه هواه ، تنطمس فطرته ، وتعمى بصيرته ، فيترك ما ينفعه ، ويلهث في البحث عمّا يضره ، فينحط بذلك عن مستوى البهيمة ، وهذا هو حال المخدوعين بوهم الحبّ ، نسأل الله السلامة والعافية .
من قال إن هذا الحبّ وهم ؟!
لست أنا الذي قال ذلك ، وإنّما هم أهل الحبّ أنفسهم الذين جربوه واكتووا بناره وعذابه ، هم الذين قالوا ذلك ، وإليك شيئًا من أقوالهم واعترافاتهم:
تقول إحداهنّ:
(( أنا فتاة في التاسعة والعشرين من عمري ، تعرفت على شاب أثناء دراستي الجامعية ! كانت الظروف! كلها تدعونها لكي نكون معًا رغم أنّه ليس من بلدي ، تفاهمنا منذ الوهلة الأولى ، ومع مرور الأيام توطدت العلاقة بحيث أصبحنا لا نطيق فراقًا ! ، وبعد انتهاء الدراسة عاد إلى بلده ، وعدت إلى أسرتي ، واستمر اتصالنا عبر الهاتف والرسائل ، ووعدني بأنه سيأتي لطلب يدي عندما يحصل على عمل ، وبالطبع وعدته بالانتظار. لم أفكر أبدًا بالتخلي عنه رغم توفر فرص كثيرة لبدء حياة جديدة مع آخر!!