فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 78

الفصل الثاني

الدعوة لوليمة العرس

شروط الدعوة وآدابها

الدعوة لا بد لها من داعٍ ومدعو، ولكل منهما شروط وآداب ينبغي مراعاتها.

أولًا: ما يشترط في الداعي:

يشترط في الداعي للوليمة الشروط الآتية [1] :

الأول: أن يكون بالغًا، يصح منه الإذن والتصرف في ماله. فإن كان غير بالغ لم تلزم إجابته، ولم يجز لبطلان إذنه ورد تصرفه.

الثاني: أن يكون عاقلًا لأن المجنون لفقده التمييز أسوأ حالًا من الصغير في فساد إذنه ورد تصرفه.

الثالث: أن يكون رشيدًا يجوز تصرفه في ماله، فإن كان محجورًا عليه لم تلزم إجابته، حتى وإن أذن له وليمة؛ لأن وليه مندوب لحفظ ماله لا إتلافه.

الرابع: أن يكون حرًّا؛ لأن العبد لا يجوز تصرفه فلم تلزم إجابته لفساد إذنه. فلو أذن له سيده صار كالحر في لزوم إجابته.

الخامس: أن يكون مسلمًا تلزم موالاته في الدين.

فإذا كان الدعي ذميًّا، ففي لزوم إجابته ثلاثة أقوال:

الأول: يجب إجابته، وبهذا قال الشافعية [2] في أحد الوجهين، والحنابلة [3] في رواية.

الثاني: لا تلزم إجابته، وبهذا قال المالكية [4] والشافعية [5] في وجه آخر، والحنابلة [6] في رواية ثانية، إلا أن الحنابلة في هذه الرواية قالوا: الذمي وإن لم تلزم إجابته بيد أنها تجوز.

الثالث: تكره إجابته، وبهذا قال الإمام أحمد [7] في رواية ثالثة.

الأدلة

أولًا: أدلة القائلين بالوجوب:

استدل القائلون بالوجوب بعموم الأدلة منها:

1 -ما روي عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها» [8] .

2 -وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجب» [9] .

فقد دلَّ الحديثان [10] بعمومها على وجوب إجابة الداعي من غير تفرقة بين مسلم وذمي.

ثانيًا: أدلة القائلين بعدم وجوب إجابة دعوة الذمي:

استدل أصحاب هذا القول بأدلة من السنة والمعقول:

أ- من السنة:

ما روي أن ابن عمر -رضي الله عنهما- كان يقول: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسًا كان أو نحوه» [11] .

فقد دلَّ [12] الحديث على أن الوليمة تراد للإكرام والموالاة وتأكيد المودة والإخاء، وذلك منتف في حق الذمي، فلم تجب على المسلم للذمي.

ب- من المعقول [13] :

1 -أن المقصود من الطعام التواصل به، واختلاف الدين يمنع منه.

2 -أن طعام الذمي ربما كان مستخبثًا محرمًا؛ لأنه لا يؤمن من اختلاط طعامهم بالحرام والنجاسة، ونفس المسلم تعاف أكل طعامهم.

أما القائلون بعدم الوجوب ولكن يجوز فقد استدلوا:

بما روي عن أنس رضي الله عنه: أن يهوديًّا دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى خبز شعير وإهالة [14] سنخة [15] فأجابه [16] .

(1) الحاوي الكبير جـ 9/ 558، 559.

(2) المصدر السابق/ 558.

(3) المبدع جـ 7/ 180، 181.

(4) حاشية الدسوقي جـ 2/ 338.

(5) الحاوي الكبير جـ 9/ 558.

(6) المبدع جـ 7/ 180.

(7) المصدر نفسه.

(8) أخرجه البخاري (فتح الباري) كتاب النكاح - باب حق إجابة الوليمة والدعوة جـ 9/ 148، 149.

(9) أخرجه مسلم (النووي) كتاب النكاح باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة. م3 9/ 234.

(10) الحاوي الكبير 9/ 558.

(11) سبق تخريجه.

(12) المغني لابن قدامة 7/ 3.

(13) الحاوي الكبير 9/ 558. المهذب 2/ 64. المغني لابن قدامة 7/ 3.

(14) الإهالة كل ما ائتدم به كالشحم والزيت. المعجم الوجيز/ 29.

(15) سنخة: الدهن والطعام سنخ إذا زنخ (إذا تغير ريحه وطعمه) المصدر نفسه/ 323.

(16) الخبر أورده الإمام أحمد في الزهد- باب في زهد النبي صلى الله عليه وسلم هامش الكافي لابن قدامة تحقيق إبراهيم بن أحمد عبد الحميد جـ 3/ 79؛ تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي جـ 4/ 167.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت