فقد دلت الأحاديث بمجموعها على أن الوليمة تحصل بأي شيء من الأطعمة، حسب حال الزواج من اليسر أو العسر.
وقال بعض أهل [1] العلم: إن الوليمة من النفقة الراجعة إلى العرف، فتسن بما يقتضيه العرف للموسر قدره وللمقتر قدره، لكن بشرط أن لا تصل إلى حد الإسراف أو المباهاة، فإن وصلت إلى حد الإسراف أو المباهاة، صارت محرمة أو مكروهة، وأقلها شاة للغني، ولو كان غناه كبيرًا يجعل شاتين أو ثلاثًا حسب حاله والعرف، بشرط ألا يخرج إلى حد الإسراف، وألا يراد بها المباهاة فإن وصلت إلى حد الإسراف، فالإسراف محرم، أو إلى حد المباهاة فإنها مكروهة.
والظاهر مما تقدم: أن الوليمة يقدر قدرها حسب حال الزوج والعرف، ولا يشترط فيها لحم.
وقد رأينا تنوع ولائم النبي -صلى الله عليه وسلم- بين لحم، وشعير، وتمر، وهذا الاختلاف ليس مرجعه تفضيل بعض نسائه على بعض، وإنما سببه اختلاف حالتي العسر واليسر.
مدتها
اختلف السلف في تكرار الوليمة على قولين:
الأول: تجوز في يومين وتكره في اليوم الثالث، وبهذا قال الجمهور الفقهاء من الحنفية [2] والمالكية [3] في المختار عندهم والشافعية [4] والحنابلة [5] والزيدية [6] والإمامية [7] .
الثاني: يجوز الزيادة على يومين، وبهذا قال المالكية [8] في رواية أخرى، وإليه مال الإمام البخاري [9] . فيستحب لمن كان من أهل السعة أن يولم أسبوعًا.
وذهب البعض إلى جوازها ثمانية أيام حكاه الزرقاني [10] عن ابن سيرين.
(1) الشرح الممتع شرح زاد المستقنع لابن العثيمين جـ 5/ 345.
(2) عند الحنفية: لا بأس بأن يدعو من الغد وبعد الغد ثم ينقطع العرس والوليمة. الفتاوى الهندية للشيخ نظام وجماعة من علماء الهند (ط4 - دار إحياء التراث بيروت سنة 1986م، جـ 5/ 343.
(3) المختار عند المالكية يوم واحد، قال ابن حبيب: وأبيح أكثر منه, وروي أن اليوم الثاني فضل والثالث سمعة. شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك جـ 3/ 208.
(4) فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب للشيخ زكريا الأنصاري (ط دار إحياء الكتب العربية البابي الحلبي جـ 2/ 62.
(5) الروض المربع بشرح زاد المستنقع (ط5 - نشر دار الكتاب العربي - بيروت سنة 1994م) / 417، دليل الطالب 245، 246.
(6) هامش السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار تحقيق محمود إبراهيم زايد (ط دار الكتب العلمية - بيروت) جـ 4/ 116.
(7) شرائع الإسلام جـ 2/ 267.
(8) شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك جـ 3/ 208.
(9) فقد ترجم البخاري في صحيحه - باب حق إيجاب الوليمة والدعوة، ومن أولم سبعة أيام ونحوه ولم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم يوما ولا يومين. صحيح البخاري بشرح فتح الباري جـ 9/ 148.
(10) شرح الزرقاني على موطأ مالك جـ 3/ 208.