فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 4

ولاؤنا لمن؟

الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين وأهل الباطل أصل من أصول العقيدة ومع أهميته وجلالته إلا أنه يحصل الإخلال به في صور شتى ومواقف متنوعة، ولهذا وجب إيضاح جوانب من الخلل الحاصل في هذا الباب لاسيما باب الولاء للمؤمنين، وهذا بعض ما تناوله الدرس.

الحمد لله القائل في كتابه: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [55] وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [56] } [سورة المائدة] . وأشهد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله أول من خاطبه الله سبحانه وتعالى بقوله: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ... [4] } [سورة الممتحنة] . أما بعد،،،

فإن عقيدة الولاء والبراء من أسس عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي ليست قضية متعلقة بالسلوك والأخلاق والمعاملة، بل هي قضية عقيدة يترتب عليها الكفر والإيمان.

ومرجع هذا كله الولاء له سبحانه فقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يعلن ولاءه لله: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [196] } [سورة الأعراف] . وما يتفرع عن ذلك من محبة المؤمنين وموالاتهم، ومن إظهار العداوة والبغضاء لأعداء الله إنما يعود إلى هذا الأصل ألا وهو الولاء والبراء لله سبحانه، ولذلك يحصر الله عز وجل الولاية بهذا الحصر:}إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [55] } [سورة المائدة] .

عقيدة الولاء والبراء تستحق أن يعنى بها بحثًا وتأصيلًا وحديثًا ومناقشة؛ لأنها من أسس عقيدة أهل السنة والجماعة، وبخاصة أنه قد حصل الإخلال بها كثيرًا في هذا العصر، وأنه قد يترتب على الإخلال ببعض واجباتها ولوازمها الكفر والردة.

وجانب مهم في هذه العقيدة ينسى، أو يغفل عنه عندما نتحدث عنها ألا وهو الولاء للمؤمنين، فالولاء والبراء، أو الموالاة والمعاداة كلمة ذات شقين:

الشق الأول: هو الولاء أو الموالاة.

الشق الثاني: هو البراء والمعاداة.

وهما قضيتان متلازمتان لا ينبغي الفصل بينهما أبدًا، ومن هنا فسوف أتناول بمشيئة الله بعض جوانب الولاء للمؤمنين وما يتعلق بذلك.

معنى الولاء:

في اللغة: قال في لسان العرب:' الموالاة -كما قال ابن الأعرابي- أن يتشاجر اثنان فيدخل ثالث بينهما للصلح، ويكون له في أحدهما هوى فيواليه أو يحابيه، ووالى فلانًا إذا أحبه، والموالاة ضد المعاداة والولي ضد العدو'.

وأما في الاصطلاح، فهي: النصرة، والمحبة، والإكرام، والاحترام، والكون مع المحبوبين ظاهرًا وباطنًا.

أقسام الناس في الولاء والبراء: الناس عند أهل السنة بالنسبة للولاء والبراء أقسام ثلاثة:

القسم الأول: من يُتَبَرَّأُ منهم جملة وهم الكفار: فالواجب على المسلمين البراءة منهم، والعداوة لهم والبغضاء، بل لا يكفي مجرد البغض ولا مجرد العداوة، فلا بد من إظهارها وإعلانها، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ... [4] } [سورة الممتحنة] . أي ظهرت العداوة والبغضاء؛ فلا يكفي مجرد وجود البغض والعداوة في القلب بل لا بد من إظهارها وإعلانها لهم، سواء أكانوا من اليهود، أم من النصارى، أم من المجوس، أم من المرتدين، أم من أي طائفة أخرى ما داموا كفارًا أعداءً لله سبحانه وتعالى.

ولقد قال الله سبحانه وتعالى لنبيه نوح لما سأله أن ينجي قائلًا: ... رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ... [45] } [سورة هود] . قال تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ... [46] } [سورة هود] .ولذلك أغرقه الله مع الذين غرقوا.

وأما ما يجوز من التعامل معهم في البيع والشراء ونحو ذلك فهذا باب آخر غير المودة والمحبة القلبية والوقوف معهم ونصرتهم. هذا هو الصنف الأول وهم الكفار على اختلاف مللهم ونحلهم، والواجب هو إظهار العداوة والبغضاء وإعلانها لهذا الصنف وهذه الطائفة.

القسم الثاني: مَنْ يُوَالَى جملة وهم المؤمنون: وتتفاوت درجات الولاء والمحبة للمؤمنين داخل هذه الدائرة، فهم يشتركون في أصل الولاء لكن درجات الولاء والمحبة تتفاوت تبعًا لقربهم من الله.

القسم الثالث: من يجتمع فيهم الولاء والبراء: وهو من اجتمعت فيه الطاعة والمعصية من فساق المسلمين، ويتفاوت الناس داخل هذه الدائرة تبعًا لمدى قربهم من المؤمنين الخلّص ومدى بعدهم عنهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:' ليعلم أن المؤمن تجب موالاته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت