وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك، فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، فإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور، وطاعة ومعصية، وسنه وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فبه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر؛ فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة - إلى أن قال رحمه الله - هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه '.
وكلامة طويل في تقرير هذه القضية، وهي قضية قد يغفل عنها ويخطئ فيها كثير من الخيِّرين؛ فحينما يقع من بعض المسلمين مخالفة: إما معصية، أو شبهة، أو هوى، أو بدعة؛ فإنه يتبرأ منه جملة ولا يمنح له أي قدر من الولاء.
لوازم الولاء للمؤمنين ونتائجه: هذا الولاء للمؤمنين ينشأ عنه لوازم وأمور، منها:
الأمر الأول: المحبة للمؤمنين: لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ممن يظلهم الله سبحانه وتعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: [ ... رَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ... ] رواه البخاري ومسلم. وأخبر صلى الله عليه وسلم أن المرء يحشر يوم القيامة: [مَعَ مَنْ أَحَبَّ] رواه البخاري ومسلم. وأخبر صلى الله عليه وسلم أيضًا أن ذلك طريق لتحقيق وحصول لذة الإيمان وحلاوته فقال: [ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ] رواه البخاري ومسلم. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم من شروط تحقيق حلاوة الإيمان وحصول لذته أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، فالمسلم متعبد بمحبة إخوانه المؤمنين.
الأمر الثاني: التألم لمصائبهم وآلامهم: وهي قضية لا يعذر بها أحد أبدًا، فالمشاعر القلبية أمر يملكه كل الناس، ولايعجز عنه أضعفهم، يملك المسلم أن يتألم لآلام إخوانه المسلمين، وأن يتفاعل مع مصائبهم وإن عجز عن أن يقوم بنصرتهم بماله أو نفسه. ويشبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، فما مدى تحقق هذا الوصف فينا؟ وما مدى مراعاتنا لهذا الأمر؟ ما مدى تألمنا لآلام المسلمين ومصائبهم: سواء أكانوا من عامة المسلمين أم من الدعاة والمصلحين؟
إن أبشع أنواع انتهاكات حقوق الإنسان، وأبشع أنواع الظلم والاضطهاد يسام فيه إخواننا المسلمون، سواء أكانوا من الدعاة وهؤلاء لهم ولاء أعظم وأتم من غيرهم، أم كانوا من عامة المسلمين المستضعفين وهؤلاء أيضًا لهم حق الولاء والمحبة والنصرة. وها نحن الآن لانفيق من مصيبة من مصائب إخواننا المسلمين حتى نصاب بمصيبة أخرى، حتى أصبحت مصائب إخواننا المسلمين بعضها يشغل عن بعض.
الأمر الثالث: التأييد والإعانة: فمن حق المؤمن أن نقف معه و نؤيده، خاصة عندما يكون قائمًا بأمر الله يسعى إلى تطبيق شرع الله بين الناس، فلا يعذر أحد أبدًا من المسلمين في ترك الوقوف معه وإعانته وتأييده، ولو بالدعاء، أو المقال واللسان.
فمن حق المؤمنين علينا وبخاصة القائمين بأمر الله، والدعاة إلى الله أن نؤيدهم ونعينهم ونقف معهم؛ فالكلمة التي تقولها لأحد القائمين لأمر الله ربما زادته حماسة وقناعة بما هو عليه، فازداد عملًا، فصار لك أنت نصيب من هذا العمل.
إن هذا القائم بدين الله لا بد أن يواجه مضايقة، ولا بد أن يواجه حربًا وفتنة: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [2] وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [3] } [سورة العنكبوت] .ومن هنا فهو بحاجة إلى من يؤيده، ومن يدعمه ويقف معه.
الأمر الرابع: حق النصرة: وهو قريب من حق التأييد والإعانة لكننا نعني بالتأييد ماكان ابتداء، أما النصرة فهي عندما يتعرض المؤمن للظلم، وهذه النصرة على درجات:
الدرجة الأولى: النصرة باليد: وذلك أن يدفع عنه الظلم قال عز وجل: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [72] } [سورة الأنفال] . فإذا اعتدي على المسلمين في أي بلد كان، فواجب على المسلمين جميعًا أن يهبوا لنصرتهم، أن ينصروهم باليد، و بالسلاح، أما مجرد النصرة باللسان وإظهار التعاون معهم فهذا أمر إنما هو لعامة المسلمين وآحادهم، أما الذين ولاهم الله أمر المسلمين، فأقل ما يجب عليهم تجاه إخوانهم المسلمين هو يقفوا معهم وقوفًا ظاهرًا وأن ينصروهم ويؤيدوهم. والمسلم حينما ينصر أخاه المسلم، فدافعه لذلك القيام بالواجب الشرعي.
الدرجة الثانية: النصرة باللسان: بأن ينصر أخاه المؤمن بلسانه سواء عندما يُنَالُ من عرضه، أو يُغْتَابُ، أو يُظْلَمُ في نفسه أو ماله أو ولده، وليس له قدرة على نصرته بيده وعلى إعانته؛ فالواجب عليه أن ينصره بلسانه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: [مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] رواه أحمد والترمذي.
ودأب أهل السنة الانتصار للمؤمنين والذب عنهم باللسان: وحصل أن صارت فتنة بين بعض أمراء نجد فاستعان أحدهم بالأتراك على أخيه، فألف أحد العلماء ـ يقال له ابن عجلان ـ رسالة يجيز فيها الاستعانة بالمشركين، فرد عليه الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله، وأغلظ حتى حكم عليه بالردة فلامه الناس، وأكثروا عليه فكتب الشيخ عبد اللطيف-وهذا هو الشاهد- في رسالة إلى زيد بن محمد آل سليمان قال: ' وبلغني أن بعضهم دخل في هذا الباب، واعترض على ابن عتيق، وصرح بجهله، ونال من عرضه، وتعاظم هذه العبارة، وزعم أنه غلا وتجاوز الحد، فحصل بذلك تنفيس لأهل الجفاء وعباد الهوى، والرجل وإن صدر منه بعض الخطأ في التعبير، فلا ينبغي معارضة من انتصر لله وكتابه، وذب عن دينه، وأغلظ في أمر الشرك والمشركين على من تهاون ورخص وأباح في بعض شعبه، وفتح بعض وسائله وذرائعه الغريبة المفضية إلى ظهوره وعلوه ورفض التوحيد ونكس أعلامه ومحو آثاره وقلع أصوله