الصفحة 20 من 62

وقد ذكر ابن إسحاق في المغازي عن الزهري قال: لم يكن في الإسلام فتح قبل فتح الحديبية أعظم منه إنما كان الكفر حيث القتال؛ فلما أمن الناس كلهم كلم بعضهم بعضًا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة, ولم يكن أحد في الإسلام يعقل شيئًا إلا بادر إلى الدخول فيه؛ فلقد دخل في تلك السنتين مثل من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. قال ابن هشام: ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم خرج في الحديبية في ألف وأربعمائة ثم خرج بعد سنين إلى فتح مكة في عشرة آلاف، انتهى.

وهذه الآية نزلت منصرفه صلى الله عليه وسلم من الحديبية كما في هذا الباب من حديث عمر.

وأما قوله تعالى في هذه السورة: {وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} ، فالمراد بها فتح خيبر على الصحيح لأنها هي التي وقعت فيها المغانم الكثيرة للمسلمين.

وقد روى أحمد وأبو داود والحاكم من حديث مجمع بن حارثة قال: شهدنا الحديبية فلما انصرفنا وجدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقفا عند كراع الغميم, وقد جمع الناس قرأ عليهم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} الآية. فقال رجل:يا رسول الله أو فتح هو قال: أي والذي نفسي بيده إنه لفتح ثم قسمت خيبر على أهل الحديبية.

وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الشعبي في قوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} قال: صلح الحديبية وغفر له ما تقدم وما تأخر وتبايعوا بيعة الرضوان وأطعموا نخيل خيبر وظهرت الروم على فارس وفرح المسلمون بنصر الله. وأما قوله تعالى: {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} فالمراد الحديبية. وأما قوله تعالى: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا هجرة بعد الفتح ) )، فالمراد به فتح مكة باتفاق؛ فبهذا يرتفع الإشكال وتجتمع الأقوال بعون الله تعالى [1] . هذا أولًا.

وثانيًا: الفتح المقصود في سورة النصر هو فتح مكة لا صلح الحديبية وعليه تدل الأدلة:

(1) ..."الفتح" (7/442) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت