الصفحة 9 من 115

فإذا تعمد الصائم شيئًا من هذه الأشياء فإنه يفطر بإجماع أهل العلم، وهي مذكورة في القرآن الكريم، ولذلك قال الله عز وجل: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} [البقرة:187] -أي: النساء بالجماع- {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة:187] فأجمع أهل العلم على أن الأكل والشرب والجماع، هي من المفطرات إذا تعمد الإنسان شيئًا منها، من غير إكراهٍ ولا نسيان.

ثانيًا: من المفطرات -أيضًا-: القيء عمدًا.

فإذا استقاء الإنسان وتعمد أن يستفرغ ما في بطنه فإنه يفطر بذلك، وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم: {من استقاء عامدًا فليقض، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه} والحديث رواه أبو داود والترمذي، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتاب حقيقة الصيام: إنه حديث صحيح.

ومعنى الحديث: أن من تقيأ من غير إرادةٍ فخرج منه القيء من غير قصد فهذا لا قضاء عليه، لكن لو تعمد كأن أدخل أصبعه أو شم شيئًا عن عمدٍ ليتقيأ فإن عليه القضاء، كما أفتى بذلك الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث.

ثالثًا: ومن المفطرات بالإجماع -أيضًا-: الحيض والنفاس، فإن المرأة إذا حاضت أو نفست فإنه لا يصح منها الصوم، ولذلك جاء في حديث عائشة: {كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة} فدل على أن الحائض لا تصوم ولا يصح منها ذلك.

هذه هي المفطرات المشهورة، ويدخل فيها ما كان في معناها، فمثلًا: يدخل في الأكل الإبر المغذية التي يستغني بها الإنسان عن الأكل والشرب، ويدخل في الجماع -من حيث أنه مفطر- الاستمناء عمدًا بأي وسيلةٍ كانت فإنه يفطر ولا شك في هذا، ولا ينبغي أن يكون في هذا خلاف.

ومن أفطر، فإن كان إفطاره بالجماع في نهار رمضان؛ فإن عليه أربعة أمور:

الأول: أن يمسك بقية اليوم؛ لأن هذا الفطر غير مشروع، فيمسك بقية اليوم فلا يأكل ولا يشرب شيئًا.

الثاني: التوبة لأن هذا إثمٌ عظيم، فهذا العمل كبيرة من الكبائر يجب التوبة منه.

الثالث: أن يقضي يومًا مكان اليوم الذي أفسده.

الرابع: الكفارة، وهي عتق رقبة فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يجد أطعم ستين مسكينًا، فإن لم يجد سقطت عنه الكفارة.

أما إن كان فطره بغير الجماع، بأكلٍ أو شربٍ؛ فإن عليه التوبة والاستغفار، وأن يقضي يومًا مكانه على الراجح من أقوال أهل العلم.

رخص الصوم

الوقفة السابعة: رخص الصوم.

فإن في الصوم رخصٌ عديدة رخص الله تبارك وتعالى فيها لنا، منها:

للأكل والشرب نسيانًا

من أكل أو شرب ناسيًا، كما في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: {من أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه} والراجح عند جمهور العلماء، أن من أكل أو شرب ناسيًا فصومه صحيح ولا قضاء عليه، خلافًا لمالك رحمه الله؛ لكن ينبغي أن ينتبه إلى أنه لو فطن وفي فمه شيء فإنه ينبغي أن يلفظه ولا يتمه، فبعض الناس من العوام يتناقلون قصة الرجل الذي كان معه شيء من العنب فأكله وهو صائم ناسيًا، فلما بقي له حبة تذكر أنه صائم فقال: إذا لم يفطرَّ هذا الكثير فهذه الحبة الواحدة لن تفطَّر فأكلها.

وهذا المسألة اختلف فيها أهل العلم، فبعضهم قال: أفطر بها، وبعضهم قال: لم يفطر لأنه جاهل. والصحيح أنه يفطر بذلك، فإذا تذكر وفي فمه شيء وجب أن يلفظه، وكذلك إذا رآه إنسانٌ يجب عليه أن يعلمه؛ لأن هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا رأيت من يأكل أو يشربُ في نهار رمضان ناسيًا، فقل له: أنت صائم أو نحن في رمضان.

صحة صيام الجنب

ومن الرخص -أيضًا-: أن من أصبح جنبًا فإنه يصوم ولا شيء عليه.

فمن أتى أهله أو احتلم في الليل، ثم طلع عليه الفجر قبل أن يغتسل، فالصحيح في ذلك أنه لا شيء عليه، ويصوم ويغتسل بعد ذلك، وينوي الصيام وهو جنب ولا حرج في هذا؛ خلافًا لما أفتى به أبو هريرة أول الأمر، فإن هذا كان ثم نسخ.

السواك بعد الزوال والمضمضة والاستنشاق

من الرخص: السواك بعد الزوال -كما أسلفت- بل هو مستحب في مواضعه، ومن ذلك أيضًا المضمضة، والاستنشاق للصائم، ولكن يستحب ألا يبالغ فيها، لحديث لقيط بن صبرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: {وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا} وفي بعض الروايات: {وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائمًا} فيتمضمض الصائم ويستنشق للوضوء ولغيره، لكن لا يبالغ فيهما خشية أن يصل شيء من الماء إلى حلقه فيفطر بذلك.

جواز الفطر في السفر

ومن الرخص: أن المسافر له أن يتمتع برخصة الله تعالى له في الفطر، فإن كان الصوم يشق عليه فالفطر أفضل له، حتى ولو كان مسافرًا في سيارة مكيفة، أو مسافرًا في طائرةٍ -مثلًا- أو غير ذلك، فإنه يجوز له أن يترخص برخص السفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت