ولهذا لا أعظم من الدعاء؛ لأن الدعاء يتحقق فيه انكسار العبد، وافتقاره إلى الله جل وعلا، وخاصةً إذا كان دعاءً عن ضرورةٍ وعن اضطرار: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ} [النمل:62] .
فضائل شهر رمضان
الوقفة الخامسة: فضائل الشهر الكريم، شهر رمضان.
وما سبق إنما هو فضائل الصيام فرضًا أو نفلًا، أما فضائل رمضان فهي:
رمضان شهر القرآن
أولًا: رمضان شهر القرآن قال الله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185] وإنزال القرآن فيه، يحتمل أن يكون المعنى إنزاله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، كما جاء عن ابن عباس، ويحتمل أن يكون المعنى أنه ابتدأ فيه إنزال القرآن، إذ إن القرآن أول ما أنزل في ليلة تقابل ليلة القدر، وليلة القدر من رمضان، وقيل إن قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185] يعني أنزل القرآن في مدحه وفضله والثناء عليه ووجوب صيامه، لكن القول الأول أقوى.
رمضان شهر الصبر
ثانيًا: رمضان شهر الصبر.
فإن الصوم نصف الصبر، والصبر جزاؤه الجنة، وكما قال الله عز وجل في القرآن: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10] فإن الصبر لا يتجلى في شيء من العبادات كما يتجلى في الصوم، حيث يحبس الإنسان نفسه عن الأكل والشرب والجماع وغيرها، طيلة هذا الشهر الكريم.
تغلق فيه أبواب النيران
ثالثًا: من فضائل شهر رمضان: أنه تغلق فيه أبواب النيران، وتفتح فيه أبواب الجنان، وتصفد فيه الشياطين ومردة الجن، كما جاء في الحديث المتفق عليه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {إذا جاء رمضان غلقت أبواب النيران وفتحت أبواب الجنة وصفدت الشياطين} وفي لفظ: {وسلسلت الشياطين} أي: جعلت في الأصفاد والسلاسل، بحيث لا يصلون إلى ما كانوا يصلون إليه في غيره.
ولذلك تجدون أن وسوسة الشيطان وكيده وتلبيسه على الناس في رمضان أقل منه في غيره، بل إن الشيطان يخاف من رمضان كما يخاف من الأذان والإقامة فيولي، ولهذا تلاحظون -أيضًا- أنه قبل أن يدخل رمضان يبدأ الناس العصاة يستعدون للتوبة، وكثيرًا ما يسأل الناس فيقول أحدهم -مثلًا-: أنا عندي مظلمة وأريد أن أخرج منها، أو عندي مال حرام وأريد أن أتخلص منه، أو عندي أمور لا ترضي الله أريد أن أتوب منها. يقولون هذا قبل رمضان، ومعنى ذلك أن الشيطان يخاف من قدوم رمضان فيضعف كيده وتأثيره، فما بالك إذا دخل رمضان، وسلسل الشيطان وصفد بالأغلال، فإنه لا يكاد يصل إلى الناس إلا في أقل القليل من الذنوب والآثام.
إلا أن هناك أناسٌ أصبحت نفوسهم شريرةٌ؛ بسبب تقبلها لوسوسة الشيطان، فحتى حين يضعف تأثير الشيطان عليها فإنه يكون فيها شرٌ بذاتها، ولذلك لا تعجب أن تجد والعياذ بالله من الناس من يكون انحرافه في رمضان، فقد وقفت على أقوامٍ كان انحرافهم في رمضان، بل وربما في ليلة القدر ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان، وربما اجتمع فيها أقوامٌ على لهو وشرب وغناء وزنا -عافانا الله وإياكم من ذلك- وهذا من مسخ القلوب وانسلاخها.
يقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
ليلة القدر
ومن فضائل هذا الشهر الكريم: أن فيه ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر قال الله: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر:3] وقد حسب بعض أهل العلم ألف شهر، فوجدوها تزيد على ثلاث وثمانين سنة، وقد ورد في موطأ مالك بسند مرسل، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أُري أعمار أمته فكأنه تقالها بالنسبة إلى أعمار الأمم الأخرى، فأعطي ليلة القدر، وهي خيرٌ من ألف شهر؛ تعويضًا عن قصر أعمار أمته عليه الصلاة والسلام، فإذا أدرك العبد ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر، فمعنى ذلك أنه أدرك فضل ثلاث وثمانين سنة، وهذا فضل عظيم لا يقدر قدره إلا الله جلا وعلا.
في رمضان دعاء مستجاب
ومن فضائل شهر رمضان: أن فيه دعاءً مستجابًا.
ولذلك روى الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه بسند جيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لكل مسلمٍ دعوة مستجابة يدعو بها في رمضان} .
وقد ورد في أحاديث عديدة أن هذه الدعوة عند الإفطار، فليحرص العبد عند إفطاره على أن يستجمع جوامع الدعاء ويدعو بها، وسأتحدث -إن شاء الله- عن جوامع الدعاء في الوقفات القادمة بإذنه تعالى.
من أحكام الصيام
الوقفة السادسة: وقفة سريعة على بعض أحكام الصيام.
ولا شك أن الكلام عن أحكام الصيام يطول بل فيه مصنفاتٌ خاصة، ولذلك سأتحدث باختصارٍ وبسرعةٍ -أيضًا- عن بعض هذه الأحكام.
كيف يثبت دخول رمضان