وشهدت هذه الشريعة له بأنه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأنه المحيط بكل شيء علمًا. وإذا عرف ذلك فليس من الحكمة الإلهية، بل ولا الحكمة في ملوك العالم أنهم يسوون بين من هو تحت تدبيرهم من تعريفهم كل ما يعرفه الملوك، وإعلامهم جميع ما يعلمونه، وإطلاعهم على كل ما يجرون عليه سياساتهم في أنفسهم وفي منازلهم حتى لا يقيموا في بلد منها إلا أخبروا من تحت أيديهم السبب في ذلك، والمعنى الذي قصدوه منه، ولا يأمرون رعيتهم بأمر، ولا يضربون عليهم بعثًا، ولا يسوسونهم سياسة إلا أخبروهم بوجه ذلك وسببه وغايته ومدته، بل لا تتصرف بهم الأحوال في مطاعمهم وملابسهم ومراكبهم إلا أوقفوهم على أغراضهم فيه.
ولا شك أن هذا مناف للحكمة والمصلحة بين المخلوقين، فكيف بشأن رب العالمين وأحكم الحاكمين الذي لا يشاركه في علمه ولا حكمه أحد أبدًا؟! فحسب العقول الكاملة أن تستدل بما عرفت من حكمته على ما غاب عنها، وتعلم أن له حكمة في كل ما خلقه وأمر به وشرعه. وهل تقتضي الحكمة أن يخبر الله تعالى كل عبد من عباده بكل ما يفعل ويوقفهم على وجه تدبيره في كل ما يريده؟ وعلى حكمته في صغير ما ذرأ وبرأ من خليقته؟ وهل في قوى المخلوقات ذلك؟ بل طوى سبحانه كثيرًا من صنعه وأمره عن جميع خلقه؛ فلم يطلع على ذلك ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا.