ثم إن الله عز وجل قضى أن يكون من عباده المؤمن به والكافر. وكتب الصراع بين أوليائه وأعدائه ليبلو بعضهم ببعض، فكانت سنة الابتلاء، وسنة الصراع بين الحق والباطل؛ قال تعالى: (( وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْض ) ) (محمد: 4) . وروى الإمام مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: (( ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا. كل مال نحلته عبدًا حلال. وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم. وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي مالم أنزل به سلطانًا. وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم؛ عربهم وعجمهم؛ إلا بقايا من أهل الكتاب. وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك. وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء تقرؤه نائمًا ويقظانَ.... الحديث ) ) [1] . والشاهد من الحديث القدسي السابق قوله سبحانه (( إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك ) )أي لأمتحنك بما يظهر منك من قيامك بما أمرتك به من تبليغ الرسالة وغير ذلك من الجهاد في الله حق جهاده، والصبر في الله تعالى، وغير ذلك. وأبتلي بك من أرسلتك إليهم؛ فمنهم من يظهر إيمانه، ويخلص في طاعته، ومنهم من يتخلف وينابذ بالعداوة والكفر، ومنهم من ينافق. وإن الله عز وجل، بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى، كتب النصر والغلبة لأهل الحق من أوليائه الصالحين المصلحين، وكتب المهانة والذلة على أعدائه من الكافرين والمنافقين.
(1) مسلم ( 2865 ) ك الجنة وصفة نعيمها .