فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 350

فأحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأعلم العالمين، الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم، ومن آبائهم وأمهاتهم إذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرًا لهم من أن لاينزله بهم؛ نظرًا منه لهم، وإحسانًا إليهم، ولطفًا بهم. ولو مكنوا من الاختيار لأنفسهم لعجزوا عن القيام بمصالحهم علمًا وإرادة وعملًا، لكنه سبحانه تولى تدبير أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته - أحبوا أم كرهوا - فعرف ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته فلم يتهموه في شيء من أحكامه، وخفي ذلك على الجهال به وبأسمائه وصفاته فنازعوه تدبيره، وقدحوا في حكمته، ولم ينقادوا لحكمه، وعارضوا حكمته بعقولهم الفاسدة،وآرائهم الباطلة وسياساتهم الجائرة !فلا لربهم عرفوا، ولا

لمصالحهم حصلوا. والله الموفق )) [1] اهـ .

وذكر القرطبي رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: (( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ) ) (البقرة:216) قوله: (( وقال أبو عبيدة: (( عسى ) )من الله إيجاب، والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم: في أنكم تغلبون، وتَظفرون، وتَغنَمون، وتؤجرون، ومن مات مات شهيدًا، وعسى أن تحبّوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم: في أنكم تُغلبون، وتُذلُّون، ويذهب أمركم.

قلت: وهذا صحيح لا غبار عليه؛ كما اتفق في بلاد الأندلس، تركوا الجهاد، وجبنوا عن القتال، وأكثروا من الفرار؛ فاستولى العدو على البلاد، وأي بلاد؟! وأسر وقتل وسبى واسترقّ، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته !

وقال الحسن في معنى الآية: لا تكرهوا الملمات الواقعة؛ فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تحبه فيه عطبك، وأنشد أبو سعيد الضرير:

رُبَّ أمرٍ تتّقِيهِ جرَّ أمرًا تَرتَضِيهِ خَفِيَ المحبوبُ منه وبَدَا المكروهُ فيهِ [2] ) ا هـ .

(1) الفوائد ص91 ـ 93 .

(2) تفسير القرطبي عند الآية ( 216 ) من سورة البقرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت