فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 350

يعلق الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى على هاتين الآيتين فيقول: (( فالآية الأولى في الجهاد الذي هو كمال القوة الغضبية: والثانية في النكاح الذي هو كمال القوة الشهوانية؛ فالعبد يكره مواجهة عدوه بقوته الغضبية خشية على نفسه منه، وهذا المكروه خير له في معاشه ومعاده، ويحب الموادعة والمتاركة، وهذا المحبوب شر له في معاشه ومعاده، وكذلك يكره المرأة لوصف من أوصافها؛ وله في إمساكها خير كثير لا يعرفه، ويحب المرأة لوصف من أوصافها؛ وله في إمساكها شر كثير لا يعرفه. فالإنسان كما وصفه خالقه: ظلوم جهول فلا ينبغي أن يجعل المعيار على ما يضره وينفعه ميله وحبه، ونفرته وبغضه؛ بل المعيار على ذلك ما اختاره الله له بأمره ونهيه.

فأنفع الأشياء له على الإطلاق طاعة ربه بظاهره وباطنه، وأضر الأشياء عليه على الإطلاق معصيته بظاهره وباطنه. فإذا قام بطاعته وعبوديته مخلصًا له فكل ما يجري عليه مما يكرهه يكون خيرًا له، وإذا تخلى عن طاعته وعبوديته فكل ما هو فيه من محبوب هو شر له، فمن صحت له معرفة ربه، والفقه في أسمائه وصفاته علم يقينًا أن المكروهات التي تصيبه، والمحن التي تنزل به، فيها ضروب من المصالح والمنافع التي لا يحصيها علمه ولا فكرته؛ بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت