الصفحة 17 من 117

الوجه الثاني: أنه لم ينقل عن كبار الصحابة وفضلائهم كالخلفاء الراشدين، وبقية العشرة؛ أخذُ شيءٍ من لحاهم، وهم أفضل وأجلّ وأعلم ممّن نُقل عنهم الأخذ، ولو كانوا يأخذون من لحاهم لنُقل، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) وهو حديث صحيح، صححه جمع من الأئمة.

الوجه الثالث: أن الذين جاء عنهم الأخذ، الذي يظهر أنهم رأوا أن هذا من التفث، كما تقدم في قول ابن عباس، ويؤيد هذا أن ابن عمر لم يكن يأخذ إلا في حجٍ أو عمرة، وهذا ما نصّ عليه جابر، وما جاء عن أبي هريرة يحمل على ذلك، وإن لم يأت ما يقيّده.

قلت: فدلّ هذا على أنهم يرون الأخذ من التفث، والصواب على خلاف ذلك، بدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يفعل ذلك، ولم يأمر أمته به، ولو كان من التفث لبيّنه - صلى الله عليه وسلم -.

وعلى الذين يستدلون بما جاء عن هؤلاء الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- أن يلتزموا بما جاء عنهم، فلا يزيدوا على القبضة، ولا يأخذوا هذا القدر إلا في النسك من حجٍ أو عمرة، فحسب. والله أعلم.

وأما فيما يتعلق بسماع الموسيقى والمعازف: فالأدلة على تحريمها كثيرة، أكتفي بدليلٍ واحدٍ صحيحٍ صريح فيها، فيه كفاية للمكتفي، وغُنية لطالب الحق، وقناعة للمتجرد، ولا تغني كثرة الأدلة المجادلَ بالباطل، المتعامي عن الحق، المتغافلَ عن الصواب؛ شيئًا.

فقد أخرج البخاري في صحيحه (5590) قال: قال هشام بن عمار ثنا صدقة بن خالد ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثنا عطية بن قيس الكلابي ثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال حدثني أبو عامر -أو أبو مالك- الأشعري، والله ما كذبني: سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلّون الحِرَ، والحرير، والخمر، والمعازف) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت