الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي تُقَرِّرُ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِالْحَقِّ . وَأَحْسَنُهُمْ بَيَانًا لَهُ . فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ جَمِيعُ الْمَطَالِبِ تَحْتَاجُ إلَى مُقَدِّمَتَيْنِ . وَلَا يَكْفِي فِي جَمِيعِهَا مُقَدِّمَتَانِ ؛ بَلْ يَذْكُرُ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْبَيَانُ وَالدَّلَالَةُ سَوَاءٌ كَانَ مُقَدِّمَةً أَوْ مُقَدِّمَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ . وَمَا قَصَدَ بِهِ هُدًى عَامًّا كَالْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ بَيَانًا لِلنَّاسِ يَذْكُرُ فِيهِ [ مِنْ ] الْأَدِلَّةِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ عَامَّةً . وَهَذَا إنَّمَا يُمْكِنُ بَيَانُ أَنْوَاعِهَا الْعَامَّةِ . وَأَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِهِ كُلُّ شَخْصٍ فَلَا ضَابِطَ لَهُ حَتَّى يُذْكَرَ فِي كَلَامٍ . بَلْ هَذَا يَزُولُ بِأَسْبَابِ تَخْتَصُّ بِصَاحِبِهِ كَدُعَائِهِ لِنَفْسِهِ وَمُخَاطَبَةِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ لَهُ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَهُ . وَنَظَرِهِ فِيمَا يَخُصُّ حَالَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَ"أَيْضًا"فَمَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ الْقِيَاسِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِشَيْءِ مُعَيَّنٍ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ ثُمَّ تِلْكَ الْأُمُورُ الْكُلِّيَّةُ يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِمَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ قِيَاسِهِمْ . فَلَا تُعْلَمُ كُلِّيَّةٌ بِقِيَاسِهِمْ إلَّا وَالْعِلْمُ بِجُزْئِيَّاتِهَا مُمْكِنٌ بِدُونِ قِيَاسِهِمْ . وَرُبَّمَا كَانَ أَيْسَرَ . فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالْمُعَيَّنَاتِ قَدْ يَكُونُ أَبْيَنَ مِنْ الْعِلْمِ بِالْكُلِّيَّاتِ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ الْعِلْمُ وَالطَّرِيقُ إلَيْهِ هُوَ الدَّلِيلُ . فَمَنْ عَرَفَ دَلِيلَ مَطْلُوبِهِ عَرَفَ مَطْلُوبَهُ سَوَاءٌ نَظَمَهُ بِقِيَاسِهِمْ أَمْ لَا وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ دَلِيلَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ قِيَاسُهُمْ وَلَا يُقَالُ إنَّ قِيَاسَهُمْ يَعْرِفُ صَحِيحَ الْأَدِلَّةِ مِنْ فَاسِدِهَا فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يَقُولُهُ جَاهِلٌ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ قِيَاسِهِمْ فَإِنَّ حَقِيقَةَ قِيَاسِهِمْ لَيْسَ فِيهِ إلَّا شَكْلُ الدَّلِيلِ وَصُورَتُهُ . وَأَمَّا كَوْنُ الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ مُسْتَلْزِمًا لِمَدْلُولِهِ فَهَذَا لَيْسَ فِي قِيَاسِهِمْ مَا يَتَعَرَّضُ لَهُ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ وَإِنَّمَا هَذَا بِحَسَبِ عِلْمِهِ بِالْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الدَّلِيلُ . وَلَيْسَ فِي قِيَاسِهِمْ بَيَانُ صِحَّةِ شَيْءٍ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ وَلَا فَسَادِهَا . وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ فِي هَذَا إذَا تَكَلَّمُوا فِي مَوَادِّ الْقِيَاسِ وَهُوَ الْكَلَامُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ مِنْ جِهَةِ مَا يَصْدُقُ بِهَا وَكَلَامُهُمْ فِي هَذَا فِيهِ خَطَأٌ كَثِيرٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي كُلِّ بُرْهَانٍ وَدَلِيلٍ فِي الْعَالَمِ هُوَ اللُّزُومُ فَمَنْ عَرَفَ أَنَّ هَذَا لَازِمٌ لِهَذَا اُسْتُدِلَّ بِالْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ . وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ اللُّزُومِ وَلَا تَصَوَّرَ مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ . بَلْ مَنْ عَرَفَ أَنَّ كَذَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ كَذَا أَوْ أَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَا كَانَ كَذَا وَأَمْثَالُ هَذَا فَقَدْ عَلِمَ اللُّزُومَ . كَمَا يَعْرِفُ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْوُجُودِ آيَةٌ لِلَّهِ فَإِنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ } قَالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: لَمَّا سَمِعْت هَذِهِ الْآيَةَ أَحْسَسْت بِفُؤَادِي قَدْ انْصَدَعَ . فَإِنَّ هَذَا تَقْسِيمٌ حَاصِرٌ يَقُولُ: أَخُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ خَلَقَهُمْ ؟ فَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي بَدَاهَةِ الْعُقُولِ أَمْ خَلَقُوا أَنْفُسَهُمْ فَهَذَا أَشَدُّ امْتِنَاعًا فَعُلِمَ أَنَّ لَهُمْ خَالِقًا خَلَقَهُمْ . وَهُوَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ الدَّلِيلَ بِصِيغَةِ اسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا فِطْرِيَّةٌ بَدِيهِيَّةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فِي النُّفُوسِ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدِ إنْكَارُهَا ؛ فَلَا يُمْكِنُ صَحِيحَ الْفِطْرَةِ أَنْ يَدَّعِيَ وُجُودَ حَادِثٍ بِدُونِ مُحْدِثٍ أَحْدَثَهُ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا أَحْدَثَ نَفْسَهُ . وَكَثِيرٌ مِنْ النُّظَّارِ يَسْلُكُ طَرِيقًا فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَيَقُولُ: لَا يُوصَلُ إلَى مَطْلُوبٍ إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ ؛ وَلَا