الصفحة 65 من 87

قَالَ لَهُ قَائِلٌ: اصْبِرْ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُك الْقِسْمَةُ حَتَّى تَعْرِفَ حَدَّهَا وَتُمَيِّزَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الضَّرْبِ فَإِنَّ الْقِسْمَةَ عَكْسُ الضَّرْبِ فَإِنَّ الضَّرْبَ هُوَ تَضْعِيفُ آحَادِ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ بِآحَادِ الْعَدَدِ الْآخَرِ وَالْقِسْمَةُ تَوْزِيعُ آحَادِ ( أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ عَلَى آحَادِ الْعَدَدِ الْآخَرِ . وَلِهَذَا إذَا ضَرَبَ الْخَارِجَ بِالْقِسْمَةِ فِي الْمَقْسُومِ عَلَيْهِ عَادَ الْمَقْسُومُ . وَإِذَا قَسَمَ الْمُرْتَفِعُ بِالضَّرْبِ عَلَى أَحَدِ الْمَضْرُوبَيْنِ خَرَجَ الْمَضْرُوبُ الْآخَرُ . ثُمَّ يُقَالُ: مَا ذَكَرْته فِي حَدِّ الضَّرْبِ لَا يَصِحُّ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ ضَرْبَ الْعَدَدِ الصَّحِيحِ دُونَ الْمَكْسُورِ بَلْ الْحَدُّ الْجَامِعُ لَهُمَا أَنْ يُقَالَ: الضَّرْبُ طَلَبُ جُمْلَةٍ تَكُونُ نِسْبَتُهَا إلَى أَحَدِ الْمَضْرُوبَيْنِ كَنِسْبَةِ الْوَاحِدِ إلَى الْمَضْرُوبِ الْآخَرِ فَإِذَا قِيلَ: اضْرِبْ النِّصْفَ فِي الرُّبُعِ فَالْخَارِجُ هُوَ الثُّمُنُ وَنِسْبَتُهُ إلَى الرُّبُعِ كَنِسْبَةِ النِّصْفِ إلَى الْوَاحِدِ . فَهَذَا وَإِنْ كَانَ كَلَامًا صَحِيحًا لَكِنْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ مَعَهُ مَالٌ يُرِيدُ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَ عَدَدٍ يَعْرِفَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ إذَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ أَنْ لَا يَقْسِمَهُ حَتَّى يَتَصَوَّرَ هَذَا كُلَّهُ كَانَ هَذَا تَعْذِيبًا لَهُ بِلَا فَائِدَةٍ وَقَدْ لَا يَفْهَمُ هَذَا الْكَلَامَ وَقَدْ تَعْرِضُ لَهُ فِيهِ إشْكَالَاتٌ . فَكَذَلِكَ الدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ هُوَ الْمُرْشِدُ إلَى الْمَطْلُوبِ وَالْمُوَصِّلُ إلَى الْمَقْصُودِ وَكُلَّمَا كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَيْهِ . وَلِهَذَا قِيلَ: الدَّلِيلُ مَا يَكُونُ النَّظَرُ الصَّحِيحُ فِيهِ مُوَصِّلًا إلَى عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ . فَالْمَقْصُودُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِغَيْرِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ مَلْزُومًا لَهُ ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَيْهِ وَبُرْهَانًا لَهُ - سَوَاءٌ كَانَا وُجُودِيَّيْنِ أَوْ عَدَمِيَّيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا وُجُودِيًّا وَالْآخَرُ عَدَمِيًّا ؛ فَأَبَدًا: الدَّلِيلُ مَلْزُومٌ لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ ؛ وَالْمَدْلُولُ لَازِمٌ لِلدَّلِيلِ . ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الدَّلِيلُ مُقَدِّمَةً وَاحِدَةً مَتَى عُلِمَتْ عُلِمَ الْمَطْلُوبُ ؛ وَقَدْ يَحْتَاجُ الْمُسْتَدِلُّ إلَى مُقَدِّمَتَيْنِ ؛ وَقَدْ يَحْتَاجُ إلَى ثَلَاثِ مُقَدِّمَاتٍ وَأَرْبَعٍ وَخَمْسٍ وَأَكْثَرَ ؛ لَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ مُقَدَّرٌ يَتَسَاوَى فِيهِ جَمِيعُ النَّاسِ فِي جَمِيعِ الْمَطَالِبِ ؛ بَلْ ذَلِكَ بِحَسَبِ عِلْمِ الْمُسْتَدِلِّ الطَّالِبِ بِأَحْوَالِ الْمَطْلُوبِ وَالدَّلِيلِ وَلَوَازِمِ ذَلِكَ ؛ وَمَلْزُومَاتِهِ . فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ قَدْ عَرَفَ مَا بِهِ يَعْلَمُ الْمَطْلُوبَ مُقَدِّمَةً وَاحِدَةً ؛ كَانَ دَلِيلُهُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِهِ لَهُ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ كَمَنْ عَلِمَ أَنَّ الْخَمْرَ مُحَرَّمٌ ؛ وَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيذَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ مُسْكِرٌ ؛ لَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ هُوَ خَمْرٌ . فَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إلَّا إلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ . فَإِذَا قِيلَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ } . حَصَلَ مَطْلُوبُهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى أَنْ يُقَالَ: كُلُّ نَبِيذٍ مُسْكِرٌ . وَكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ . وَلَا أَنْ يُقَالَ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ . فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مَعْلُومٌ لَهُ لَمْ يَكُنْ يَخْفَى عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ هَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِبَعْضِ الْمُسْكِرَاتِ كَمَا ظَنَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ هُوَ شَامِلٌ لِكُلِّ مُسْكِرٍ فَإِذَا ثَبَتَ لَهُ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ أَنَّهُ جَعَلَهُ عَامًّا لَا خَاصًّا حَصَلَ مَطْلُوبُهُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَيُرْوَى بِلَفْظَيْنِ: { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ } . { وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ } . وَلَمْ يَقُلْ: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ . كَالنَّظْمِ الْيُونَانِيِّ . فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَلُّ قَدْرًا فِي عِلْمِهِ وَبَيَانِهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ هَذَيَانِهِمْ . فَإِنَّهُ إنْ قَصَدَ مُجَرَّدَ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ لَمْ يَحْتَجْ مَعَ قَوْلِهِ إلَى دَلِيلٍ . وَإِنْ قَصَدَ بَيَانَ الدَّلِيلِ كَمَا بَيَّنَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ عَامَّةَ الْمَطَالِبِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت