فَيَقْرَأُ بِهِ الْقُرْآنَ ؛ وَكُتُبَ الْعِلْمِ النَّافِعَةَ أَوْ يَكْتُبُ لِلنَّاسِ مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ: كَانَ هَذَا فَضْلًا فِي حَقِّهِ وَكَمَالًا . وَإِنْ اسْتَعَانَ بِهِ عَلَى تَحْصِيلِ مَا يَضُرُّهُ أَوْ يَضُرُّ النَّاسَ كَاَلَّذِي يَقْرَأُ بِهَا كُتُبَ الضَّلَالَةِ وَيَكْتُبُ بِهَا مَا يَضُرُّ النَّاسَ كَاَلَّذِي يُزَوِّرُ خُطُوطَ الْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالشُّهُودِ: كَانَ هَذَا ضَرَرًا فِي حَقِّهِ وَسَيِّئَةً وَمَنْقَصَةً وَلِهَذَا نَهَى عُمَرَ أَنْ تُعَلَّمَ النِّسَاءُ الْخَطَّ . وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ يَنَالُ كَمَالَ الْعُلُومِ مِنْ غَيْرِهَا . وَيَنَالُ كَمَالَ التَّعْلِيمِ بِدُونِهَا: كَانَ هَذَا أَفْضَلَ لَهُ وَأَكْمَلَ . وَهَذِهِ حَالُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ } فَإِنَّ أُمِّيَّتَهُ لَمْ تَكُنْ مِنْ جِهَةِ فَقْدِ الْعِلْمِ وَالْقِرَاءَةِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ فَإِنَّهُ إمَامُ الْأَئِمَّةِ فِي هَذَا . وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ مَكْتُوبًا . كَمَا قَالَ اللَّهُ فِيهِ: { وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } . وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ كَتَبَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ بِخَطِّهِ مُعْجِزَةً لَهُ ؟ أَمْ لَمْ يَكْتُبْ ؟ وَكَانَ انْتِفَاءُ الْكِتَابَةِ عَنْهُ مَعَ حُصُولِ أَكْمَلِ مَقَاصِدِهَا بِالْمَنْعِ مِنْ طَرِيقِهَا مِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِهِ وَأَكْبَرِ مُعْجِزَاتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَلَّمَهُ الْعِلْمَ بِلَا وَاسِطَةِ كِتَابٍ مُعْجِزَةً لَهُ وَلَمَّا كَانَ قَدْ دَخَلَ فِي الْكُتُبِ مِنْ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ وَعَلَّمَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إلَى أَنْ يَكْتُبَ بِيَدِهِ وَأَمَّا سَائِر أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ كَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ فَالْغَالِبُ عَلَى كِبَارِهِمْ الْكِتَابَةُ لِاحْتِيَاجِهِمْ إلَيْهَا إذْ لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَنْ الْوَحْي مَا أُوتِيَهُ صَارَتْ أُمِّيَّتُهُ الْمُخْتَصَّةُ بِهِ كَمَالًا فِي حَقِّهِ مِنْ جِهَةِ الْغِنَى بِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا وَأَكْمَلُ وَنَقْصًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنْ جِهَةِ فَقْدِهِ الْفَضَائِلَ الَّتِي لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْكِتَابَةِ .