كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا { وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } وَقَالَ: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا } وَحَبْلُ اللَّهِ كِتَابُهُ كَمَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: { وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ } إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الَّتِي أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اتِّبَاعِهَا . وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَخْتَلِفْ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ جُمْلَةً . وَلَكِنْ قَدْ يَقَعُ التَّنَازُعُ فِي تَفْصِيلِهِ فَتَارَةً يَكُونُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ فِي"مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ"وَتَارَةً يَتَنَازَعُ فِيهِ قَوْمٌ جُهَّالٌ بِالدِّينِ أَوْ مُنَافِقُونَ أَوْ سَمَّاعُونَ لِلْمُنَافِقِينَ . فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ فِينَا قَوْمًا سَمَّاعِينَ لِلْمُنَافِقِينَ يَقْبَلُونَ مِنْهُمْ كَمَا قَالَ: { لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } وَإِنَّمَا عَدَّاهُ بِاللَّامِ لِأَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى الْقَبُولِ وَالطَّاعَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ:"سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"أَيْ اسْتَجَابَ لِمَنْ حَمِدَهُ وَكَذَلِكَ { سَمَّاعُونَ لَهُمْ } أَيْ مُطِيعُونَ لَهُمْ . فَإِذَا كَانَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْمٌ سَمَّاعُونَ لِلْمُنَافِقِينَ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ . وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ عَمَّنْ يُظْهِرُ الِانْقِيَادَ لِحُكْمِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ يَقُولُ: { لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ } إلَى قَوْلِهِ { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } فَإِنَّ الصَّوَابَ أَنَّ هَذِهِ اللَّامَ لَامُ التَّعْدِيَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: { أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } أَيْ قَائِلُونَ لِلْكَذِبِ مُرِيدُونَ لَهُ وَسَامِعُونَ مُطِيعُونَ لِقَوْمِ آخَرِينَ غَيْرِك فَلَيْسُوا مُفْرِدِينَ لِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَمَنْ قَالَ: إنَّ اللَّامَ لَامُ كَيْ أَيْ يَسْمَعُونَ لِيَكْذِبُوا لِأَجْلِ أُولَئِكَ فَلَمْ يُصِبْ . فَإِنَّ السِّيَاقَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُرَادُ وَكَثِيرًا مَا يَضِيعُ الْحَقُّ بَيْنَ الْجُهَّالِ الْأُمِّيِّينَ وَبَيْنَ الْمُحَرِّفِينَ لِلْكَلِمِ الَّذِينَ فِيهِمْ شُعْبَةُ نِفَاقٍ كَمَا أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَيْثُ قَالَ: { أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } إلَى قَوْلِهِ: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ } الْآيَةَ . وَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخْبَرَ: أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تَتَّبِعُ سَنَنَ مَنْ قَبْلَهَا حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ: وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يُحَرِّفُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ فَيُغَيِّرُ مَعْنَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ أَوْ أَمَرَ بِهِ . وَفِيهِمْ أُمِّيُّونَ لَا يَفْقَهُونَ مَعَانِيَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بَلْ رُبَّمَا يَظُنُّونَ أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَمَانِيِّ الَّتِي هِيَ مُجَرَّدُ التِّلَاوَةِ وَمَعْرِفَةُ ظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْلِ هُوَ غَايَةُ الدِّينِ . ثُمَّ قَدْ يُنَاظِرُونَ الْمُحَرِّفِينَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ أَوْ الْكُفَّارِ مَعَ عِلْمِ أُولَئِكَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْأُمِّيُّونَ فَإِمَّا أَنْ تَضِلَّ الطَّائِفَتَانِ وَيَصِيرَ كَلَامُ هَؤُلَاءِ فِتْنَةً عَلَى أُولَئِكَ حَيْثُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَا يَقُولُهُ الْأُمِّيُّونَ هُوَ غَايَةُ عِلْمِ الدِّينِ وَيَصِيرُوا فِي طَرَفَيْ النَّقِيضِ . وَإِمَّا أَنْ يَتَّبِعَ أُولَئِكَ الْأُمِّيُّونَ أُولَئِكَ الْمُحَرِّفِينَ فِي بَعْضِ ضَلَالِهِمْ . وَهَذَا مِنْ بَعْضِ أَسْبَابِ تَغْيِيرِ الْمِلَلِ إلَّا أَنَّ هَذَا الدِّينَ مَحْفُوظٌ . كَمَا قَالَ تَعَالَى: { إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } وَلَا تَزَالُ فِيهِ طَائِفَةٌ قَائِمَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْحَقِّ فَلَمْ