فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 134

وَقَوْلُ أَحْمَد فِيمَا كَتَبَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ والجهمية فِيمَا شُكَّتْ فِيهِ مِنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَتَأَوَّلَتْهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ وَقَوْلُهُ عَنْ الجهمية إنَّهَا تَأَوَّلَتْ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ الْمُتَشَابِهِ ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى مَعْنَاهَا ؛ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُتَشَابِهَ عِنْدَهُ تَعْرِفُ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ وَأَنَّ الْمَذْمُومَ تَأْوِيلُهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ فَأَمَّا تَفْسِيرُهُ الْمُطَابِقُ لِمَعْنَاهُ فَهَذَا مَحْمُودٌ لَيْسَ بِمَذْمُومِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ لِلْمُتَشَابِهِ عِنْدَهُ وَهُوَ التَّفْسِيرُ فِي لُغَةِ السَّلَفِ . وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ أَحْمَد وَلَا غَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ إنَّ فِي الْقُرْآنِ آيَاتٌ لَا يَعْرِفُ الرَّسُولُ وَلَا غَيْرُهُ مَعْنَاهَا بَلْ يَتْلُونَ لَفْظًا لَا يَعْرِفُونَ مَعْنَاهُ وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتِيَارُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْهُمْ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَأَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ وَغَيْرُهُمَا . وَابْنُ قُتَيْبَةَ هُوَ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى أَحْمَد وَإِسْحَاقَ وَالْمُنْتَصِرِينَ لِمَذَاهِبِ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَلَهُ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ . قَالَ فِيهِ صَاحِبُ"كِتَابِ التَّحْدِيثِ بِمَنَاقِبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ": وَهُوَ أَحَدُ أَعْلَامِ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ أَجْوَدُهُمْ تَصْنِيفًا وَأَحْسَنُهُمْ تَرْصِيفًا لَهُ زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةِ مُصَنَّفٍ وَكَانَ يَمِيلُ إلَى مَذْهَبِ أَحْمَد وَإِسْحَاقَ وَكَانَ مُعَاصِرًا لِإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ المروزي وَكَانَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ يُعَظِّمُونَهُ وَيَقُولُونَ: مَنْ اسْتَجَازَ الْوَقِيعَةَ فِي ابْنِ قُتَيْبَةَ يُتَّهَمُ بِالزَّنْدَقَةِ وَيَقُولُونَ: كُلُّ بَيْتٍ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ تَصْنِيفِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ قُلْت: وَيُقَالُ هُوَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ مِثْلَ الْجَاحِظِ لِلْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُ خَطِيبُ السُّنَّةِ كَمَا أَنَّ الْجَاحِظَ خَطِيبُ الْمُعْتَزِلَةِ . وَقَدْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا الْقَوْلُ الْآخَرُ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَطَائِفَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَلَمْ يَذْكُرْ هَؤُلَاءِ عَلَى قَوْلِهِمْ نَصًّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَارَتْ مَسْأَلَةَ نِزَاعٍ فَتُرَدُّ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الرَّسُولِ وَأُولَئِكَ احْتَجُّوا بِأَنَّهُ قَرَنَ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ بِابْتِغَاءِ تَأْوِيلِهِ وَبِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَمَّ مُبْتَغِي الْمُتَشَابِهِ وَقَالَ: { إذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَاحْذَرُوهُمْ } . وَلِهَذَا ضَرَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صبيغ بْنَ عَسَلٍ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ الْمُتَشَابِهِ وَلِأَنَّهُ قَالَ: { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ } وَلَوْ كَانَتْ الْوَاوُ وَاوَ عَطْفِ مُفْرَدٍ عَلَى مُفْرَدٍ لَا وَاوَ الِاسْتِئْنَافِ الَّتِي تَعْطِفُ جُمْلَةً عَلَى جُمْلَةٍ لَقَالَ: وَيَقُولُونَ . فَأَجَابَ الْآخَرُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا } ثُمَّ قَالَ: { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ } الْآيَةُ ثُمَّ قَالَ: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } قَالُوا فَهَذَا عَطْفُ مُفْرَدٍ عَلَى مُفْرَدٍ وَالْفِعْلُ حَالٌ مِنْ الْمَعْطُوفِ فَقَطْ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا } قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مُجَرَّدَ الْوَصْفِ بِالْإِيمَانِ لَمْ يَخُصَّ الرَّاسِخِينَ بَلْ قَالَ: وَالْمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ فَإِنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ فَلَمَّا خَصَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ بِالذِّكْرِ عَلِمَ أَنَّهُمْ امْتَازُوا بِعِلْمِ تَأْوِيلِهِ فَعَلِمُوهُ لِأَنَّهُمْ عَالِمُونَ وَآمَنُوا بِهِ لِأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ"وَكَانَ إيمَانُهُمْ بِهِ مَعَ الْعِلْمِ أَكْمَلَ فِي الْوَصْفِ وَقَدْ قَالَ عقيب ذَلِكَ: وَمَا يَذَّكَّرُ إلَّا أُولُو"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت