فَصْلٌ وَالْمَعْنَى الصَّحِيحُ الَّذِي هُوَ نَفْيُ الْمِثْلِ وَالشَّرِيكِ وَالنِّدِّ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ { أَحَدٍ } وَقَوْلُهُ: { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } وَقَوْلُهُ: { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فَالْمَعَانِي الصَّحِيحَةُ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَقْلُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ . وَقَوْلُ الْقَائِلِ: الْأَحَدُ أَوْ الصَّمَدُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ وَلَا يَتَفَرَّقُ أَوْ لَيْسَ بِمُرَكَّبِ وَنَحْوُ ذَلِكَ . هَذِهِ الْعِبَارَاتُ إذَا عُنِيَ بِهَا أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّفَرُّقَ وَالِانْقِسَامَ فَهَذَا حَقٌّ وَأَمَّا إنْ عُنِيَ بِهِ أَنَّهُ لَا يُشَارُ إلَيْهِ بِحَالٍ أَوْ مِنْ جِنْسِ مَا يَعْنُونَ بِالْجَوْهَرِ الْفَرْدِ أَنَّهُ لَا يُشَارُ إلَى شَيْءٍ مِنْهُ دُونَ شَيْءٍ فَهَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُقَلَاءِ يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ فِي الذِّهْنِ تَقْدِيرًا وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْعَرَبَ حَيْثُ أَطْلَقَتْ لَفْظَ"الْوَاحِدِ"و"الْأَحَدِ"نَفْيًا وَإِثْبَاتًا لَمْ تُرِدْ هَذَا الْمَعْنَى . فَقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ } لَمْ يُرِدْ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي فَسَّرُوا بِهِ الْوَاحِدَ وَالْأَحَدَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: { وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ } وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } فَإِنَّ الْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ مِنْ الْآحَادِ كُفُوًا لَهُ فَإِنْ كَانَ الْأَحَدُ عِبَارَةً عَمَّا لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ وَلَا يُشَارُ إلَى شَيْءٍ مِنْهُ دُونَ شَيْءٍ فَلَيْسَ فِي الْمَوْجُودَاتِ مَا هُوَ أَحَدٌ إلَّا مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ وَمِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ قَدْ نَفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ أَنْ يَكُونَ كُفُوًا لِلرَّبِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي مُسَمَّى أَحَدٍ . وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا بَسْطًا كَثِيرًا فِي الْمَبَاحِثِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ الَّتِي يَذْكُرُهَا نفاة الصِّفَاتِ مِنْ الجهمية وَأَتْبَاعِهِمْ فِي كِتَابِنَا الْمُسَمَّى ( بَيَانُ تَلْبِيسِ الجهمية فِي تَأْسِيسِ بِدَعِهِمْ الْكَلَامِيَّةِ . وَلِهَذَا لَمَّا احْتَجَّتْ الجهمية عَلَى السَّلَفِ - كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ - عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ بِاسْمِ الْوَاحِدِ قَالَ أَحْمَد: قَالُوا لَا تَكُونُونَ مُوَحِّدِينَ أَبَدًا حَتَّى تَقُولُوا قَدْ كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ قُلْنَا نَحْنُ نَقُولُ كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ وَلَكِنْ إذَا قُلْنَا إنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ بِصِفَاتِهِ كُلِّهَا أَلَيْسَ إنَّمَا نَصِفُ إلَهًا وَاحِدًا وَضَرَبْنَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلًا: فَقُلْنَا: أَخْبِرُونَا عَنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ أَلَيْسَ لَهَا جِذْعٌ وَكَرْبٌ وَلِيفٌ وَسَعَفٌ وَخُوصٌ وَجُمَّارٌ وَاسْمُهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَسُمِّيَتْ نَخْلَةً بِجَمِيعِ صِفَاتِهَا ؟ فَكَذَلِكَ اللَّهُ - وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى - بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ إلَه وَاحِدٌ لَا نَقُولُ: إنَّهُ قَدْ كَانَ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ حَتَّى خَلَقَ لِنَفْسِهِ قُدْرَةً وَلَا نَقُولُ قَدْ كَانَ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ لَا يَعْلَمُ حَتَّى خَلَقَ لَهُ عِلْمًا وَلَكِنْ نَقُولُ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا قَادِرًا مَالِكًا لَا مَتَى وَلَا كَيْفَ . وَمِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا أَسْبَابًا . أَحَدُهَا: مَا تَقَدَّمَ عَنْ أبي بْنِ كَعْبٍ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُنْسُبْ لَنَا رَبَّك فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ . وَالثَّانِي: { أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَامَ تَدْعُونَا إلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ: إلَى اللَّهِ قَالَ: فَصِفْهُ لِي أَمِنْ ذَهَبٍ هُوَ أَمْ مِنْ فِضَّةٍ أَمْ مِنْ حَدِيدٍ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ } وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ظبيان وَأَبِي صَالِحٍ عَنْهُ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ بَعْضَ الْيَهُودِ قَالَ ذَلِكَ قَالُوا: مِنْ أَيِّ جِنْسٍ هُوَ . وَمِمَّنْ وَرِثَ الدُّنْيَا . وَلِمَنْ يُورِثُهَا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ قَالَهُ قتادة وَالضَّحَّاكُ قَالَ الضَّحَّاكُ وقتادة وَمُقَاتِلٌ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ