فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 134

وَكَذَلِكَ نِزَاعُهُمْ فِي رُوحِ الْإِنْسَانِ الَّتِي تُفَارِقُهُ بِالْمَوْتِ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: هِيَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا لَيْسَتْ عَرَضًا مِنْ أَعْرَاضِ الْبَدَنِ كَالْحَيَاةِ وَغَيْرِهَا وَلَا جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ كَالْهَوَاءِ الْخَارِجِ مِنْهُ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ زَعَمُوا أَنَّهَا عَرَضٌ قَائِمٌ بِالْبَدَنِ أَوْ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ لَكِنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَلِقَوْلِ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ وَمُخَالِفٌ لِلْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ . وَهَذَا مِمَّا اسْتَطَالَ بِهِ الْفَلَاسِفَةُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّ الرُّوحَ عَرَضٌ مِنْ الْأَعْرَاضِ وَبِهَذَا نَقُولُ إذَا لَمْ يَعْنِ بِالرُّوحِ النَّفْسَ فَإِنَّهُ قَالَ: الرُّوحُ الْكَائِنُ فِي الْجَسَدِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: الْحَيَاةُ الْقَائِمَةُ بِهِ وَالْآخِرُ النَّفَسُ وَالنَّفَسُ رِيحٌ يَنْبَثُّ بِهِ وَالْمُرَادُ بِالنَّفَسِ مَا يَخْرُجُ بِنَفَسِ التَّنَفُّسِ مِنْ أَجْزَاءِ الْهَوَاءِ الْمُتَحَلِّلِ مِنْ الْمَسَامِّ وَهَذَا قَوْلُ الإسفرائيني وَغَيْرِهِ وَقَالَ ابْنُ فورك: هُوَ مَا يَجْرِي فِي تَجَاوِيفِ الْأَعْضَاءِ وَأَبُو الْمَعَالِي خَالَفَ هَؤُلَاءِ وَأَحْسَنَ فِي مُخَالَفَتِهِمْ فَقَالَ: إنَّ الرُّوحَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ مُشَابَكَةٌ لِلْأَجْسَامِ الْمَحْسُوسَةِ أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِحَيَاةِ الْأَجْسَادِ مَا اسْتَمَرَّتْ مُشَابَكَتُهَا لَهَا فَإِذَا فَارَقَتْهَا تَعَقَّبَ الْمَوْتُ الْحَيَاةَ فِي اسْتِمْرَارِ الْعَادَةِ . وَمَذْهَبُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَسَائِرِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ: أَنَّ الرُّوحَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا تُفَارِقُ الْبَدَنَ وَتُنَعَّمُ وَتُعَذَّبُ لَيْسَتْ هِيَ الْبَدَنَ وَلَا جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِ كَالنَّفَسِ الْمَذْكُورِ . وَلَمَّا كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَد مِمَّنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ ؛ لَكِنَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى زَعَمُوا أَنَّهَا جِسْمٌ وَأَنَّهَا الْهَوَاءُ الْمُتَرَدِّدُ فِي مخاريق الْبَدَنِ ؛ مُوَافَقَةً لِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الباقلاني . وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ لَمَّا كَانَتْ مِنْ أَضْعَفِ الْأَقْوَالِ تَسَلَّطَ بِهَا عَلَيْهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا: إنَّهَا عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا غَيْرُ الْبَدَنِ وَأَجْزَائِهِ وَأَعْرَاضِهِ تَنَازَعُوا: هَلْ هِيَ جِسْمٌ مُتَحَيِّزٌ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ كَتَنَازُعِهِمْ فِي الْمَلَائِكَةِ . فالمتكلمون مِنْهُمْ يَقُولُونَ: جِسْمٌ والمتفلسفة يَقُولُونَ: جَوْهَرٌ عَقْلِيٌّ لَيْسَ بِجِسْمِ وَقَدْ أَشَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ إلَى أَنَّ مَا تُسَمِّيهِ الْمُتَفَلْسِفَةُ جَوَاهِرَ عَقْلِيَّةً لَا تُوجَدُ إلَّا فِي الذِّهْنِ وَأَصْلُ تَسْمِيَتِهِمْ الْمُجَرَّدَاتِ وَالْمُفَارِقَاتِ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تُفَارِقُ بَدَنَهُ بِالْمَوْتِ وَتَتَجَرَّدُ عَنْهُ سَمَّوْهَا مُفَارِقَةً مُجَرَّدَةً ثُمَّ أَثْبَتُوا مَا أَثْبَتُوهُ مِنْ الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ وَسَمَّوْهَا مُفَارِقَاتٍ وَمُجَرَّدَاتٍ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ يُرِيدُونَ بِالْمُفَارِقِ لِلْمَادَّةِ مَا لَا يَكُونُ جِسْمًا وَلَا قَائِمًا بِجِسْمِ لَكِنَّ النَّفْسَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجِسْمِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ وَالْعَقْلِ وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْأَجْسَامِ أَصْلًا وَلَا رَيْبَ أَنَّ جَمَاهِيرَ الْعُقَلَاءَ عَلَى إثْبَاتِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَدَنِ وَالرُّوحِ الَّتِي تُفَارِقُ وَالْجُمْهُورُ يُسَمُّونَ ذَلِكَ رُوحًا وَهَذَا جِسْمًا لَكِنَّ لَفْظَ الْجِسْمِ فِي اللُّغَةِ لَيْسَ هُوَ الْجِسْمَ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ الْجِسْمُ هُوَ الْجَسَدُ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الْجِسْمُ الْغَلِيظُ أَوْ غِلَظُهُ وَالرُّوحُ لَيْسَتْ مِثْلَ الْبَدَنِ فِي الْغِلَظِ وَالْكَثَافَةِ وَلِذَلِكَ لَا تُسَمَّى جِسْمًا فَمَنْ جَعَلَ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَرْوَاحَ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَيْسَتْ أَجْسَامًا بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَقَدْ أَصَابَ فِي ذَلِكَ وَرَبُّ الْعَالَمِينَ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ جِسْمًا فَإِنَّهُ مِنْ الْمَشْهُورِ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت