اللَّفْظَ وَلَا يَعْرِفُوا مَعْنَاهُ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُونَ فِي جَاهِلِيَّةٍ بِسَبَبِ عَدَمِ نُورِ النُّبُوَّةِ وَمِنْ هَهُنَا يَقَعُ الشِّرْكُ وَتَفْرِيقُ الدِّينِ شِيَعًا كَالْفِتَنِ الَّتِي تُحْدِثُ السَّيْفَ فَالْفِتَنُ الْقَوْلِيَّةُ وَالْعَمَلِيَّةُ هِيَ مِنْ الْجَاهِلِيَّةِ بِسَبَبِ خَفَاءِ نُورِ النُّبُوَّةِ عَنْهُمْ كَمَا قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: إذَا قَلَّ الْعِلْمُ ظَهَرَ الْجَفَاءُ وَإِذَا قَلَّتْ الْآثَارُ ظَهَرَتْ الْأَهْوَاءُ . وَلِهَذَا شُبِّهَتْ الْفِتَنُ بِقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَد فِي خُطْبَتِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَتْرَةً بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . فَالْهُدَى الْحَاصِلُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ إنَّمَا هُوَ مِنْ نُورِ النُّبُوَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى } فَأَهْلُ الْهُدَى وَالْفَلَاحِ: هُمْ الْمُتَّبِعُونَ لِلْأَنْبِيَاءِ وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ الْمُؤْمِنُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ . وَأَهْلُ الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ: هُمْ الْمُكَذِّبُونَ لِلْأَنْبِيَاءِ يَبْقَى أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِينَ لَمْ يَصِلُ إلَيْهِمْ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ . فَهَؤُلَاءِ فِي ضَلَالٍ وَجَهْلٍ وَشِرْكٍ وَشَرٍّ لَكِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } وَقَالَ: { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } وَقَالَ: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } فَهَؤُلَاءِ لَا يُهْلِكُهُمْ اللَّهُ وَيُعَذِّبُهُمْ حَتَّى يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا . وَقَدْ رُوِيَتْ آثَارٌ مُتَعَدِّدَةٌ فِي أَنَّ مِنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الرِّسَالَةُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ إلَيْهِ رَسُولٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا يُخَالِفُ دِين الْمُسْلِمِينَ ؛ فَإِنَّ الْآخِرَةَ لَا تَكْلِيفَ فِيهَا وَلَيْسَ كَمَا قَالَ إنَّمَا يَنْقَطِعُ التَّكْلِيفُ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْجَزَاءِ الْجَنَّةَ أَوْ النَّارَ وَإِلَّا فَهُمْ فِي قُبُورِهِمْ مُمْتَحَنُونَ وَمَفْتُونُونَ يُقَالُ لِأَحَدِهِمْ: مَنْ رَبُّك ؟ وَمَا دِينُك ؟ وَمَنْ نَبِيُّك ؟ وَكَذَلِكَ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ يُقَالُ: لِيَتَّبِعْ كُلُّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَر وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فِي صُورَةٍ غَيْر الصُّورَةِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا . وَفِي رِوَايَةٍ فَيَسْأَلُهُمْ وَيُثَبِّتُهُمْ وَذَلِكَ امْتِحَانٌ لَهُمْ هَلْ يَتَّبِعُونَ غَيْرَ الرَّبِّ الَّذِي عَرَفُوا أَنَّهُ اللَّهُ الَّذِي تَجَلَّى لَهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَيُثَبِّتُهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ هَذِهِ الْمِحْنَةِ كَمَا يُثَبِّتُهُمْ فِي فِتْنَةِ الْقَبْرِ فَإِذَا لَمْ يَتَّبِعُوهُ لِكَوْنِهِ أَتَى فِي غَيْرِ الصُّورَة الَّتِي يَعْرِفُونَ أَتَاهُمْ حِينَئِذٍ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ فَإِذَا رَأَوْهُ خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا إلَّا مَنْ كَانَ مُنَافِقًا فَإِنَّهُ يُرِيدُ السُّجُودَ فَلَا يَسْتَطِيعُهُ يُبْقَى ظَهْرُهُ مِثْلَ الطَّبَقِ وَهَذَا الْمَعْنَى مُسْتَفِيضٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ ثَابِتَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَقَدْ أَخْرَجَاهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى وَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمِحْنَةَ إنَّمَا تَنْقَطِعُ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْجَزَاءِ وَأَمَّا قَبْلَ دَارِ الْجَزَاءِ امْتِحَانٌ وَابْتِلَاءٌ . فَإِذَا انْقَطَعَ عَنْ النَّاسِ نُورُ النُّبُوَّةِ وَقَعُوا فِي ظُلْمَةِ الْفِتَنِ وَحَدَثَتْ الْبِدَعُ وَالْفُجُورُ وَوَقَعَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ . كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ