وقد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَرْضِ إذَا فُتِحَتْ عَنْوَةً هَلْ يَجِبُ قَسْمُهَا كَخَيْبَرِ لِأَنَّهَا مَغْنَمٌ أَوْ تَصِيرُ فَيْئًا كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْحَشْرِ وَلَيْسَتْ الْأَرْضُ مِنْ الْمَغْنَمِ أَوْ يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيمَا بَيْنَ هَذَا وَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى التَّخْيِيرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَغَيْرِهِمَا . وَلَوْ فَتَحَ الْإِمَامُ بَلَدًا وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ أَهْلَهُ يُسْلِمُونَ وَيُجَاهِدُونَ جَازَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَهْلِ مَكَّةَ فَإِنَّهُمْ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ بِلَا خِلَافٍ بِخِلَافِ أَهْلِ خَيْبَرَ فَإِنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَأُولَئِكَ قَسَمَ أَرْضَهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا مُصِرِّينَ عَلَى الْكُفْرِ وَهَؤُلَاءِ تَرَكَهَا لَهُمْ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ صَارُوا مُسْلِمِينَ وَالْمَقْصُودُ بِالْجِهَادِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَأَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ لِيَتَأَلَّفَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ فَكَيْفَ لَا يَتَأَلَّفُهُمْ بِإِبْقَاءِ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ . وَهُمْ لَمَّا حَضَرُوا مَعَهُ حنينا أَعْطَاهُمْ مِنْ غَنَائِمِ حنين مَا تَأْلَفُهُمْ بِهِ حَتَّى عَتَبَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: { أَنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ قَالُوا يَوْمَ حنين حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ الْمِائَةَ مِنْ الْإِبِلِ . فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ - قَالَ أَنَسٌ: فَحُدِّثَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِمْ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أُدْمٍ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ ؟ فَقَالَ لَهُ فُقَهَاءُ الْأَنْصَارِ: أَمَّا ذَوُو رَأْينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهِدَ بِكُفْرِ أتألفهم أَفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ وَتَرْجِعُونَ إلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ فَوَاَللَّهِ لِمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَضِينَا قَالَ: فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ بَعْدِي أَثَرَةً شَدِيدَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ قَالُوا: سَنَصْبِرُ } - وَفِي رِوَايَةٍ { لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شَعْبًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ وَادِيًا أَوْ شَعْبًا لَسَلَكْت وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشَعْبَهُمْ النَّاسُ دِثَارٌ وَالْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْت امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ وَحَدَّثَهُمْ حَتَّى بَكَوْا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ } . فَهَذَا كُلُّهُ بَذْلٌ وَعَطَاءٌ لِأَجْلِ إسْلَامِ النَّاسِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْجِهَادِ . وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْإِمَامَ يَجِبُ عَلَيْهِ قِسْمَةُ الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ مُطْلَقًا فَقَوْلُهُ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ الْمَنْقُولَةِ بِالتَّوَاتُرِ وَلَيْسَ مَعَهُ حُجَّةٌ وَاحِدَةٌ تُوجِبُ ذَلِكَ فَإِنَّ قِسْمَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ مَا فَعَلَ لَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ إذْ الْفِعْلُ لَا يَدُلُّ بِنَفْسِهِ عَلَى الْوُجُوبِ وَهُوَ لَمْ يُقَسِّمْ مَكَّةَ وَلَا شَكَّ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَهَذَا يَعْلَمُهُ ضَرُورَةً مَنْ تَدَبَّرَ الْأَحَادِيثَ وَكَذَلِكَ الْمَنْقُولُ: مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَجِبُ قَسْمُهُ كُلَّهُ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَ