الشَّيْخِ نَفْسِهِ الَّذِي اسْتَغَاثُوا بِهِ وَقَدْ رَأَوْهُ أَتَاهُمْ فِي الْهَوَاءِ فَيَذْكُرُونَ ذَلِكَ لَهُ . هَؤُلَاءِ يَأْتُونَ إلَى هَذَا الشَّيْخِ وَهَؤُلَاءِ يَأْتُونَ إلَى هَذَا الشَّيْخِ فَتَارَةً يَكُونُ الشَّيْخُ نَفْسُهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِتِلْكَ الْقَضِيَّةِ فَإِنْ كَانَ يُحِبُّ الرِّيَاسَةَ سَكَتَ وَأَوْهَمَ أَنَّهُ نَفْسَهُ أَتَاهُمْ وَأَغَاثَهُمْ وَإِنْ كَانَ فِيهِ صِدْقٌ مَعَ جَهْلٍ وَضَلَالٍ قَالَ: هَذَا مَلَكٌ صَوَّرَهُ اللَّهُ عَلَى صُورَتِي . وَجَعَلَ هَذَا مِنْ كَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ وَجَعَلَهُ عُمْدَةً لِمَنْ يَسْتَغِيثُ بِالصَّالِحِينَ وَيَتَّخِذُهُمْ أَرْبَابًا وَأَنَّهُمْ إذَا اسْتَغَاثُوا بِهِمْ بَعَثَ اللَّهُ مَلَائِكَةً عَلَى صُوَرِهِمْ تُغِيثُ الْمُسْتَغِيثَ بِهِمْ . وَلِهَذَا أَعْرِفُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ الشُّيُوخِ الْأَكَابِرِ الَّذِينَ فِيهِمْ صِدْقٌ وَزُهْدٌ وَعِبَادَةٌ لَمَّا ظَنُّوا هَذَا مِنْ كَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ صَارَ أَحَدُهُمْ يُوصِي مُرِيدِيهِ يَقُولُ: إذَا كَانَتْ لِأَحَدِكُمْ حَاجَةٌ فَلْيَسْتَغِثْ بِي وليستنجدني وَلْيَسْتَوْصِنِي وَيَقُولَ: أَنَا أَفْعَلُ بَعْدَ مَوْتِي مَا كُنْت أَفْعَلُ فِي حَيَاتِي وَهُوَ لَا يَعْرِف أَنَّ تِلْكَ شَيَاطِينُ تَصَوَّرَتْ عَلَى صُورَتِهِ لِتُضِلَّهُ وَتُضِلَّ أَتْبَاعَهُ فَتُحَسِّنُ لَهُمْ الْإِشْرَاكَ بِاَللَّهِ وَدُعَاءَ غَيْرِ اللَّهِ وَالِاسْتِغَاثَةَ بِغَيْرِ اللَّهِ وَأَنَّهَا قَدْ تُلْقِي فِي قَلْبِهِ أَنَّا نَفْعَلُ بَعْدَ مَوْتِك بِأَصْحَابِك مَا كُنَّا نَفْعَلُ بِهِمْ فِي حَيَاتِك فَيَظُنُّ هَذَا مِنْ خِطَابٍ إلَهِيٍّ أُلْقِيَ فِي قَلْبِهِ فَيَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ وَأَعْرِفُ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ كَانَ لَهُ شَيَاطِينُ تَخْدِمُهُ فِي حَيَاتِهِ بِأَنْوَاعِ الْخَدَمِ مِثْلَ خِطَابِ أَصْحَابِهِ الْمُسْتَغِيثِينَ بِهِ وَإِعَانَتِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمَّا مَاتَ صَارُوا يَأْتُونَ أَحَدَهُمْ فِي صُورَةِ الشَّيْخِ وَيُشْعِرُونَهُ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَيُرْسِلُونَ إلَى أَصْحَابِهِ رَسَائِلَ بِخِطَابِ وَقَدْ كَانَ يَجْتَمِعُ بِي بَعْضُ أَتْبَاعِ هَذَا الشَّيْخِ وَكَانَ فِيهِ زُهْدٌ وَعِبَادَةٌ وَكَانَ يُحِبُّنِي وَيُحِبُّ هَذَا الشَّيْخَ وَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا مِنْ الْكَرَامَاتِ وَأَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يَمُتْ وَذَكَرَ لِي الْكَلَامَ الَّذِي أَرْسَلَهُ إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقَرَأَهُ فَإِذَا هُوَ كَلَامُ الشَّيَاطِينِ بِعَيْنِهِ وَقَدْ ذَكَرَ لِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ أَعْرِفُهُمْ أَنَّهُمْ اسْتَغَاثُوا بِي فَرَأَوْنِي فِي الْهَوَاءِ وَقَدْ أَتَيْتهمْ وَخَلَّصْتهمْ مِنْ تِلْكَ الشَّدَائِدِ مِثْلَ مَنْ أَحَاطَ بِهِ النَّصَارَى الْأَرْمَنُ لِيَأْخُذُوهُ وَآخَرُ قَدْ أَحَاطَ بِهِ الْعَدُوُّ وَمَعَهُ كُتُبٌ مُلَطِّفَاتٌ مِنْ مناصحين لَوْ اطَّلَعُوا عَلَى مَا مَعَهُ لَقَتَلُوهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَذَكَرْت لَهُمْ أَنِّي مَا دَرَيْت بِمَا جَرَى أَصْلًا وَحَلَفْت لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا يَظُنُّوا أَنِّي كَتَمْت ذَلِكَ كَمَا تُكْتَمُ الْكَرَامَاتُ وَأَنَا قَدْ عَلِمْت أَنَّ الَّذِي فَعَلُوهُ لَيْسَ بِمَشْرُوعِ بَلْ هُوَ شِرْكٌ وَبِدْعَةٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ لِي فِيمَا بَعْدُ وَبَيَّنْت لَهُمْ أَنَّ هَذِهِ شَيَاطِينُ تَتَصَوَّرُ عَلَى صُورَةِ الْمُسْتَغَاثِ بِهِ . وَحَكَى لِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ جَرَى لِمَنْ اسْتَغَاثَ بِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ وَحَكَى خَلْقٌ كَثِيرٌ أَنَّهُمْ اسْتَغَاثُوا بِأَحْيَاءِ وَأَمْوَاتٍ فَرَأَوْا مِثْلَ ذَلِكَ وَاسْتَفَاضَ هَذَا حَتَّى عُرِفَ أَنَّ هَذَا مِنْ الشَّيَاطِينِ وَالشَّيَاطِينُ تُغْوِي الْإِنْسَانَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ أَوْقَعَتْهُ فِي الشِّرْكِ الظَّاهِرِ وَالْكُفْرِ الْمَحْضِ فَأَمَرَتْهُ أَنْ لَا يَذْكُرَ اللَّهَ وَأَنْ يَسْجُدَ لِلشَّيْطَانِ وَيَذْبَحَ لَهُ وَأَمَرَتْهُ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ وَالدَّم وَيَفْعَلَ الْفَوَاحِشَ وَهَذَا يَجْرِي كَثِيرًا فِي بِلَادِ الْكُفْرِ الْمَحْضِ وَبِلَادٍ فِيهَا كُفْرٌ وَإِسْلَامٌ ضَعِيفٌ وَيَجْرِي فِي بَعْضِ مَدَائِنِ الْإِسْلَامِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَضْعُفُ إيمَانُ أَصْحَابِهَا حَتَّى قَدْ جَرَى ذَلِكَ فِي مِصْرَ وَالشَّامِ عَلَى أَنْوَاعٍ يَطُولُ وَصْفُهَا وَهُوَ فِي أَرْضِ الشَّرْقِ قَبْلَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ فِي التَّتَارِ كَثِيرٌ جِدًّا وَكُلَّمَا ظَهَرَ فِيهِمْ الْإِسْلَامُ وَعَرَفُوا حَقِيقَتَهُ قَلَّتْ آثَارُ الشَّيَاطِينِ فِيهِمْ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا يَخْتَارُ