ويبذلون فيها الغالي من المهور، وهو الدين والشرف والكرامة، ويتوسلون إلى نيلها بالدنيء من الوسائل، كالتوجه بالكافر والفاجر، والتشفع بالمهين والعاهر، ودفع الرشى، وهي أشنع الجميع؛ لأنها شهادة مقدمة على أنه سيرتشي ليسدد الدَّين.
ونقرأ في سيرهم أيضًا أنهم كان حين يتولون الولاية يؤدونها كما أمر الله أن تؤدى، ويوفون بعهد الله فيها من العدل والتحري في الحق، وكانوا لا يقبلون الولاية إلا على اعتقاد أن قبولهم إياها واجب متعين شرعًا لإقامة القسط بين الناس، وإنصاف الضعفاء من الأقوياء، فهم دائمًا في أداء واجب يؤجرون عليه لا في أداء وظيفة ينتفعون بها.
وارجع إلى وظائف العالم الديني الأخرى غير الولاية، فلتجدنهم فرطوا فيها وأضاعوها، معتذرين بتأويلات ما جاء بها الدين ولا عذر بها [1] ، فهم قد هدموا ركنًا من أركان الدين وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، راضين لأنفسهم بأضعف الإيمان.
وأنا لا أصدقهم حتى في هذه، إذ لا يخطر الباطل ولا المنكر لهم على بال حتى يغيروه بقلوبهم، وكيف يخطر المنكر ببالهم، وقد أصبح المنكر عندهم معروفًا، والباطل حقًا، والشرك توحيدًا،
(1) انظر: في ظلال القرآن (1/ 68) في تفسير قوله تعالى: وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ"."