وكانوا يحكِّمون دينهم في عقولهم، ويحكِّمون عقولهم في ألسنتهم، فلا تصدر الألسنة إلا بعد مؤامرة العقل، ويعدون العقل مع النص أداة للفهم معزولة عن التصرف، ومع المجملات ميزانًا للترجيح، يدخل في حسابه المصلحة والضرورة والزمان والمكان والحال، ويميز بين الخير والشر، وبين خير الخيرين، وشر الشرين، لذلك غلب صوابهم على خطئهم في الفهم وفي الاجتهاد، ولذلك أصبحت فهومهم للدين وسائل للوصول إلى الحق، وآراؤهم في الدنيا موازين للمصلحة، وما هم بالمعصومين، ولكنهم لوقوفهم عند الحدود، وارتياض نفوسهم على إيثار رضى الله، وشعورهم بثقل عهده، وفقهم الله لإصابة الصواب.
وكانوا يزنون الشدائد التي تصيبهم في الطريق إلى إقامة دين الله بأجرها عنده، ومثوبتها في الدار الآخرة، لا بما يفوتهم من أعراض الدنيا، وسلامة البدن، وخفض العيش، وراحة البال،