فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 37

ورسوله حتى يكون أول فاعل له، ولا ينهى عن شيء مما نهى الله ورسوله عنه حتى يكون أول تارك له، كل ذلك ليأخذ عنه الناس بالقدوة والتأسي أكثر مما يأخذون عنه بوساطة الأقوال المجردة والنصوص اللفظية؛ لأن تلاوة الأقوال والنصوص لا تعدو أن تكون تبليغًا، والتبليغ لا يستلزم الاتباع، ولا يثمر الاهتداء ضربة لازب، ولا يعدو أن يكون تذكيرًا للناسي، وتبكيتًا للقاسي، وتنبيهًا للخامل، وتعليمًا للجاهل، وإيقاظًا للخامل، وتحريكًا للجامد، ودلالةً للضال.

أما جر الناس إلى الهداية بكيفية تشبه الإلزام فهو في التفسيرات العملية التي كان المرشد الأول يأتي بها في تربيته لأصحابه، فيعلمهم بأعماله أكثر مما يعلمهم بأقواله؛ لعلمه ـ وهو سيد المرسلين ـ بما للتربية العملية من الأثر في النفوس، ومن الحفز إلى العمل بباعث فطري في الاقتداء، وقد رأى مصداق ذلك في واقعة الحديبية حين أمر أصحابه بالقول فترددوا [1] ؛ مع أنهم

(1) تردد الصحابة رضي الله عنهم لم يكن ردًا للأمر وحاشاهم. وإنما كان من باب التماس حكم مغاير إذا كان ذلك ممكنًا، أما إذا حُسم الأمر، ولم تكن هناك مندوحة عن الإذعان والانقياد فلا مفرّ من ذلك. وليس كما زعمت الروافض أن الصحابة كانوا يجتهدون مع النص، ويردون أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. وما مثلهم رضي الله عنهم في ذلك إلا كمثل رجل مع أولاده المخلصين، قد يأمرهم بأمر خلاف ما يتمنون، فيبكون أو يتباكون بغية أن يغير رأيه، فإن غيره فبها ونعمت، وإلا فليس أمامهم إلا السمع والطاعة والتسليم. وهذا ما كان منهم رضي الله عنهم وأرضاهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت