صح الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو مذهبي)، وقال غيُره من الأئمة: (كلنا يؤخذ من قوله ويترك إلاَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) ، وقال بعض العلماء:
فمقتديًا كن في الهدى لا مقلدًا ... وخلِّ أخا التقليد في الأسر بالقيد
ومثال ذلك: إذا قال الجامدُ على المذهب من الشافعية: مذهب الشافعي نجاسة كل بول، سواء كان آدميًا، أو غيره. فقال المُنْصِفُ منهم: قد صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرابض الغنم وأمر العرنيين أن يحلقوا بالإبل، ويشربوا من أبوالها، وألبانها، فدل ذلك على طهارة بولها، وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه". فإنما أراد به بول الناس."
المثال الثاني: إذا قال الجامد من الحنابلة: مذهب أحمد صيام يوم الثلاثين من شعبان، إذا حال دون الهلال قتر أو غيم. قال المنُصْفِ: قد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا".
المثال الثالث: قال الجامدُ من المالكية: يجوز أكل كل ذي مخلب من الطير، وقال: هذا مذهب مالك. قال المُنْصِف: قد حرَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مِخْلب من الطير، ونهى عن لحوم الحمر الأهلية عام خيبر، وأذِنَ في لحوم الخيل، ... وأما قول الله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ} [الأنعام: 145] ، فهذه الآية مكيََّةٌ، وتحريمُ النبي - صلى الله عليه وسلم - لتلك الأشياء كان بالمدينة.
المثال الرابع: قال الجامد من الحنفية: مذهب أبي حنيفة جواز تحليل المرأة المطلقة ثلاثًا، بأن يتزوجها آخر، ثم يطلقها ولو تواطؤوا على ذلك قبل العقد. قال المُنْصِف: قد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"لعن الله المحلِّلُ والمحلل له".
إذا فهمت ذلك: عَرفْتَ أن المُنْصِفَ أولى بالدليل، وأولى بالأئمة والمذهب من الجامد، فإنه قد عمل بالدليل، ووافق الأئمة الثلاثة، واتبع إمامة في الأخذ بالسنَّة، ولا يخرجه ذلك عن المذهب، فإن الحق ضالَّة المؤمن، وإذا اجتهد وأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر.
قال ابن جماعة: (وإذا تعددت الدروس قَدِّم التفسير للقرآن، ثم الحديث، ثم أصول الدين، ثم أصول الفقه، ثم المذهب والخلاف، والنحو، والجدل) .