والإمام مسلم رحمه الله ذكر هذه الأحاديث مجتمعة ليُبَيِّن فساد مذهب المرجئة والجهمية في الإيمان، وليقرر أن الإيمان هو الإسلام ـ كما قرر البخاري ـ وأن الإسلام هو: عبادة الله وحده لا شريك له، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عرف الإيمان في حديث عبد القيس بما عرف به الإسلام في حديث جبريل - عليه السلام -، وفي أحاديث "بُني الإسلام على خمس" وقد جاء تعريف الإيمان في حديث عبد القيس مرة بـ «شهادة لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» ، ومرة بـ «اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا» وكذلك جاء في حديث جبريل وأحاديث بُنى الإسلام على خمس تعريف الإسلام بـ «شهادة لا إله إلا الله» ، وبـ «شهادة لا إله إلا الله محمدًا رسول الله» ، وبـ «ولا تشرك بالله شيئًا» ، وبـ «وأن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا» وبـ «أن يوحد الله» وبـ «أن يعبد الله ويكفر بما دونه» ، ومعنى جميع الصيغ هو توحيد العبادة.
وإذا استقرت عندك يا بُنَيَّ هذه الحقيقة وهي: أن الإيمان إقرار ومعرفة مع ترك الشرك في العبادة, وهو التفسير الحرفي لقوله تعالى: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (( 1) ، وأن حقيقة الإيمان هي حقيقة الإسلام: توحيد الألوهية المتضمن والمستلزم لتوحيد الربوبية، وأن الإيمان بمعناه الخاص هو قسيم هذه الحقيقة وهو: التوحيد في الخبر والعلم والمعرفة, وأن الإسلام بمعناه الخاص هو قسيم هذه الحقيقة وهو: التوحيد في الإرادة والقصد والطلب، وبمجموع هذين الأصلين يكون المسلم مسلمًا تحقق له الإسلام ودخول الملة, والنجاة من الكفر والشرك والخلود في النار, وأنه لابد في ذلك من ترك الشركين الأعظمين وهما شرك العبادة, وشرك الاعتقاد.
(1) سورة الأنعام، الآية: 82.