الصفحة 4 من 13

مراعاة أنّ بعض المسلمين قد تبدو له شبهات في جزئيات من الشريعة فيحتاج حينئذ إلى من يجلو عنها الغبار ببعض وسائل الإقناع.

ولنأت الآن إلى الوسائل:

الوسيلة الأولى: الدعوة بالقدوة:

المقصود من الدعوة بالقدوة أولًا: التزام الداعية بما يدعو إليه.

ثانيًا: أخلاق الداعية التي يتحلى بها في حياته مع نفسه وأهله وأرحامه وجيرانه وسائر المسلمين.

وهذه الوسيلة هي أهم وسائل الإقناع والتأثير في المدعوين من المسلمين الطائعين والعاصين، لأن التزام الداعية بدعوته وتمسكه بأخلاقه أبلغ من بيانه وأسنان أقلامه، فيه القدوة للطائعين، فيزدادون بالتزامه تقربًا إلى الله تعالى، وبأخلاقه يبرأ العليل من المعاصي والآثام، هكذا كان سيدنا وإمامنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه ربه عزّ وجل: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} سورة القلم: 4 أما زوجاته رضي الله عنهنّ فقد قلن فيه:"إِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْقُرْآنَ" ( [9] ) لقد كان عليه الصلاة والسلام قرآنًا يمشي على الأرض لأن ما فيه من آيات خالطت قلبه وجوارحه كلها فما يقوم إلا في طاعة، ولا يجلس إلا في عبادة ولا يبطش إلا في سبيل الله ولا يغضب إلا لله، ولا يتحدث إلا فيما يرضي الله، فأصبح القرآن لحمه ودمه. والذين صاحبوه واتبعوه قالوا فيه:"كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ"،"وكَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا"، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا ( [10] )

من أخلاقه تعلم الصحابة، فحاله أغنت عن كثير الخطب والمواعظ."فإنّ الداعية الموفق الناجح هو الذي يهدي إلى الحق بعمله، وإن لم ينطق بكلمة، لأنه مثلٌ حي متحرك للمبادئ التي يعتنقها، وقد شكا الناس في القديم والحديث من دعاة لا يحسنون القول ويسيئون الفعل ... لأن تناقض فعلهم وقولهم أخطر شغب يمس قضايا الإيمان ويصيبها في الصميم" ( [11] )

ومن أخطر نتائج مخالفة أفعال وأخلاق الداعية لما يدعو له أنّ المدعوين عادة ما يُحملون هذه المخالفات للدعوة التي يحملها، وقد جاء عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟ قَالَ قُلْتُ: لَا. قَالَ يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ وَحُكْمُ الْأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ. ( [12] ) وقد قال سبحانه منكرًا على هذا الصنف من الناس {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} سورة الصف:2-3

الوسيلة الثانية: الدعوة بالقول:

وهي أصل الدعوة إلى الله تعالى وتشمل هذه الوسيلة: الخطب والدروس والمحاضرات والندوات والمؤتمرات والحوار والإذاعة والتلفزيون والشريط المسجل. ونحن لن نستطيع أن نتحدث في هذا البحث عن كل هذه الوسائل .. بل سنكتفي بشرح بعضها، مع ذكر أهم الضوابط العامة للدعوة القولية التي تحكمها جميعًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت