وإشارة إلى هذا الأمر وجهنا الإسلام إلى الجدال الذي له ثمرة مرجوة، ونهانا في ذات الوقت عن الجدال العقيم كما في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} النحل: 125 والمقصود مجادلة أهل الكتاب كما في قوله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} العنكبوت: 46 .. ومن السنة المشرفة نقرأ في ثنايا الحديث عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا"فالمراء هو الجدل العقيم الذي لا ينتفع به.
ولذلك فإنّ الداعية المسلم قبل أن يشرع في مجادلة أهل الكتاب أو غيرهم عليه أن يحدد الهدف الذي على أساسه يقوم الحوار، حتى يتحقق الغاية المثمرة منه باقتناع المدعو بما ندعوه إليه أوالتأثير عليه فكريًا ..
ماذا يريد الداعية من الحوار؛ وما هدفه؟ وما النقطة التي سينطلق منها في الحوار، وإلى أي نقطة يريد الوصول إليها؟
الشخصية أو المجموعة التي تريد مناظرتها: هل هم جادون فعلًا للوصول إلى الحقيقة وصادقون، وإن كانوا ليسوا كذلك، فهل الجمهور الذي سيشهد هذه المناظرة، هل يمكن التأثير على قناعاتهم بشكل إيجابيٍ؟
والداعية المسلم عليه أن يتسلح بأخلاق الإسلام حتى يكون مؤثرًا مقنعًا، فلا يجوز له الاستخفاف بمن يناظره أو احتقاره، ولا يلجأ إلى أسلوب التجريح الشخصي أو الإساءة للآخرين، وعليه ألا ينفعل، مستهديًا في ذلك بقول رب العالمين لعباده المؤمنين {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الإسراء: 53 وأمر سبحانه نبيه موسى مخاطبة فرعون باللين فقال: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} طه: 44.
وعلى الداعية أن يخاطب في مناقشته العقل ويراعي التسلسل في الحوار، مع دعوة خصمه للاتفاق على مبادئ أساسية وعامة قبل الحوار حتى يساعده ذلك على الانتهاء سريعًا من الحوار والخروج بنتائج مرضية.
هذا هدي النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي ما كان يزيده جهل الكافرين عليه إلا حلمًا، لا يسب ولا يشتم ولا يجرح مخالفيه، ويناقشهم ويصبر عليهم، انظر كيف استقبل وفد نصارى نجران في المسجد ومجادلتهم له وصلاتهم في داخل المسجد إلى قبلتهم، إلى أن دعاهم للمباهلة، أو للاتفاق على أساس يقبله الجميع ( [34] ) وانظر دعوته لليهود وجدالهم العقيم له، ولما أقر له يهوديان بالنبوة دعاهما إلى الإسلام فخافا أن تقتلهما يهود ( [35] ) وقد حاور عدي بن حاتم حتى أسلم ( [36] )
وفي القرآن الكريم الكثير من مناظرات الأنبياء لأقوامهم مثل مناظرة إبراهيم عليه السلام لأهله وللنمرود، ومناظرة شعيب عليه السلام لقومه ... فمن يراجع قصص الأنبياء يجد فيها آدابًا وأساليب ودروسًا وطرقًا مختلفة للحوار والمجادلة مع المخالفين.
ولا بأس أن يستعين الداعية في معرض تأثيره على غير المسلمين بقصص الأمم السابقة ولقد أكثر القرآن الكريم من القصص وضرب المثل لما في التاريخ من دروس وعبر وعظات لها تأثيرها الكبير على النفوس - انظر فوائد المثل والقصة في القرآن، وكان الدعاة من قبل ينذرون أقوامهم بما حدث للأمم من قبلهم مثل مؤمن آل فرعون: يَاقَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَاسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاّ مَا