الصفحة 34 من 38

الْفُقَهَاءِ فَجَعَلُوا لَفْظَ"الْقَضَاءِ"مُخْتَصًّا بِفِعْلِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا وَلَفْظَ"الْأَدَاءِ"مُخْتَصًّا بِمَا يُفْعَلُ فِي الْوَقْتِ وَهَذَا التَّفْرِيقُ لَا يُعْرَفُ قَطُّ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ ثُمَّ يَقُولُونَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ الْقَضَاءِ فِي الْأَدَاءِ فَيَجْعَلُونَ اللُّغَةَ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا مِنْ النَّادِرِ . وَلِهَذَا يَتَنَازَعُونَ فِي مُرَادِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" { فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا } "وَفِي لَفْظٍ:" { فَأَتِمُّوا } "فَيَظُنُّونَ أَنَّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ خِلَافًا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ؛ بَلْ قَوْلُهُ:"فَاقْضُوا"كَقَوْلِهِ:"فَأَتِمُّوا"لَمْ يُرِدْ بِأَحَدِهِمَا الْفِعْلَ بَعْدَ الْوَقْتِ ؛ بَلْ لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ أَمْرٌ بِالْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا لَكِنَّ الْوَقْتَ وَقْتَانِ: وَقْتٌ عَامٌّ وَوَقْتٌ خَاصٌّ لِأَهْلِ الْأَعْذَارِ: كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي إذَا صَلَّيَا بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ وَالذِّكْرِ فَإِنَّمَا صَلَّيَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ وَقْتًا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا . وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْغَلَطِ فِي فَهْمِ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ يَنْشَأَ الرَّجُلُ عَلَى اصْطِلَاحٍ حَادِثٍ فَيُرِيدُ أَنْ يُفَسِّرَ كَلَامَ اللَّهِ بِذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ وَيَحْمِلَهُ عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ الَّتِي اعْتَادَهَا . وَمَا ذُكِرَ فِي مُسَمَّى"الْكَلَامِ"مَا ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ فِي كِتَابِهِ عَنْ الْعَرَبِ فَقَالَ: وَاعْلَمْ"أَنَّ"فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إنَّمَا وَقَعَتْ عَلَى أَنْ تُحْكَى وَإِنَّمَا يُحْكَى بَعْدَ الْقَوْلِ مَا كَانَ كَلَامًا قَوْلًا ؛ وَإِلَّا فَلَا يُوجَدُ قَطُّ لَفْظُ الْكَلَامِ وَالْكَلِمَةِ إلَّا لِلْجُمْلَةِ التَّامَّةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَلَفْظُ الْحَرْفِ يُرَادُ بِهِ الِاسْمُ وَالْفِعْلُ وَحُرُوفُ الْمَعَانِي وَاسْمُ حُرُوفِ الْهِجَاءِ ؛ وَلِهَذَا سَأَلَ الْخَلِيلُ أَصْحَابَهُ: كَيْفَ تَنْطِقُونَ بِالزَّايِ مَنْ زَيْدٌ ؟ فَقَالُوا: زَاي فَقَالَ نَطَقْتُمْ بِالِاسْمِ وَإِنَّمَا الْحَرْفُ زه ؛ فَبَيَّنَ الْخَلِيلُ أَنَّ هَذِهِ الَّتِي تُسَمَّى حُرُوفَ الْهِجَاءِ هِيَ أَسْمَاءٌ . وَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ هَذَا"حَرْفٌ مِنْ الْغَرِيبِ"يُعَبِّرُونَ بِذَلِكَ عَنْ الِاسْمِ التَّامِّ فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" { فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ } "مَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ:"وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ". وَعَلَى نَهْجِ ذَلِكَ: وَذَلِكَ حَرْفٌ وَالْكِتَابُ حَرْفٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ . وَقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ أَحْرُفٌ وَالْكِتَابَ أَحْرُفٌ وَرُوِيَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ . وَالنُّحَاةُ اصْطَلَحُوا اصْطِلَاحًا خَاصًّا فَجَعَلُوا لَفْظَ"الْكَلِمَةِ"يُرَادُ بِهِ الِاسْمُ أَوْ الْفِعْلُ أَوْ الْحَرْفُ الَّذِي هُوَ مِنْ حُرُوفِ الْمَعَانِي ؛ لِأَنَّ سِيبَوَيْهِ قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ: الْكَلَامُ اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ جَاءَ لِمَعْنَى لَيْسَ بِاسْمِ وَلَا فِعْلٍ . فَجَعَلَ هَذَا حَرْفًا خَاصًّا وَهُوَ الْحَرْفُ الَّذِي جَاءَ لِمَعْنَى لَيْسَ بِاسْمِ وَلَا فِعْلٍ ؛ لِأَنَّ سِيبَوَيْهِ كَانَ حَدِيثَ الْعَهْدِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَقَدْ عَرَفَ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ الِاسْمَ أَوْ الْفِعْل حَرْفًا فَقَيَّدَ كَلَامَهُ بِأَنْ قَالَ: وَقَسَّمُوا الْكَلَامَ إلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ وَحَرْفٍ جَاءَ لِمَعْنَى لَيْسَ بِاسْمِ وَلَا فِعْلٍ وَأَرَادَ سِيبَوَيْهِ أَنَّ الْكَلَامَ يَنْقَسِمُ إلَى ذَلِكَ قِسْمَةَ الْكُلِّ إلَى أَجْزَائِهِ لَا قِسْمَةَ الْكُلِّيِّ إلَى جُزْئِيَّاتِهِ كَمَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ الْقِسْمَةَ كَمَا يُقَسَّمُ الْعَقَارُ وَالْمَنْقُولُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ فَيُعْطَى هَؤُلَاءِ قِسْمٌ غَيْرُ قِسْمِ هَؤُلَاءِ كَذَلِكَ الْكَلَامُ هُوَ مُؤَلَّفٌ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ وَحُرُوفِ الْمَعَانِي فَهُوَ مَقْسُومٌ إلَيْهَا وَهَذَا التَّقْسِيمُ غَيْرُ تَقْسِيمِ الْجِنْسِ إلَى أَنْوَاعِهِ كَمَا يُقَالُ: الِاسْمُ يَنْقَسِمُ إلَى مُعْرَبٍ وَمَبْنِيٍّ . وَجَاءَ الجزولي وَغَيْرُهُ فَاعْتَرَضُوا عَلَى النُّحَاةِ فِي هَذَا وَلَمْ يَفْهَمُوا كَلَامَهُمْ فَقَالُوا: كُلُّ جِنْسٍ قُسِّمَ إلَى أَنْوَاعِهِ أَوْ أَشْخَاصِ أَنْوَاعِهِ فَاسْمُ الْمَقْسُومِ صَادِقٌ عَلَى الْأَنْوَاعِ وَالْأَشْخَاصِ وَإِلَّا فَلَيْسَتْ أَقْسَامًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت