فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 52

أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْآيَةَ فَقِوَامُ الدِّينِ بِكِتَابِ يَهْدِي وَسَيْفٍ يَنْصُرُ { وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا } . وَدِينُ الْإِسْلَامِ: أَنْ يَكُونَ السَّيْفُ تَابِعًا لِلْكِتَابِ . فَإِذَا ظَهَرَ الْعِلْمُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَانَ السَّيْفُ تَابِعًا لِذَلِكَ كَانَ أَمْرُ الْإِسْلَامِ قَائِمًا وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَوْلَى الْأَمْصَارِ بِمِثْلِ ذَلِكَ . أَمَّا عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَأَمَّا بَعْدَهُمْ فَهُمْ فِي ذَلِكَ أَرْجَح مِنْ غَيْرِهِمْ . وَأَمَّا إذَا كَانَ الْعِلْمُ بِالْكِتَابِ فِيهِ تَقْصِيرٌ وَكَانَ السَّيْفُ تَارَةً يُوَافِقُ الْكِتَابَ وَتَارَةً يُخَالِفُهُ: كَانَ دِينُ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ بِحَسَبِ ذَلِكَ . وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَنْ اهْتَدَى إلَيْهَا وَإِلَى أَمْثَالِهَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ أُصُولَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَصَحُّ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ بِمَا لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا . وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقِتَالَ فِي الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى . كَانَ الصَّحَابَةُ فِيهَا ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ قَاتَلَتْ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ وَفِرْقَةٌ قَاتَلَتْ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ وَفِرْقَةٌ قَعَدَتْ وَالْفُقَهَاءُ الْيَوْمَ عَلَى قَوْلَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْقِتَالَ مِنْ نَاحِيَةِ عَلِيٍّ - مِثْلَ أَكْثَرِ الْمُصَنِّفِينَ - لِقِتَالِ الْبُغَاةِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْإِمْسَاكَ . وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ الصَّحِيحَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ هَذِهِ الْفِتْنَةِ تُوَافِقُ قَوْلَ هَؤُلَاءِ وَلِهَذَا كَانَ الْمُصَنِّفُونَ لِعَقَائِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَذْكُرُونَ فِيهِ تَرْكَ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَالْإِمْسَاكَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ . ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَرَوْنَ قِتَالَ مَنْ خَرَجَ عَنْ الشَّرِيعَةِ كالحرورية وَغَيْرِهِمْ . وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ . وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ الْحَدِيثُ فِي الْخَوَارِجِ مِنْ عَشْرَةِ أَوْجُهٍ خَرَّجَهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَهَا . وَقَالَ فِيهِ: { يُحَقِّرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } وَقَدْ ثَبَتَ اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى قِتَالِهِمْ وَقَاتَلَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَذَكَرَ فِيهِمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَضَمِّنَةَ لِقِتَالِهِمْ وَفَرِحَ بِقَتْلِهِمْ وَسَجَدَ لِلَّهِ شُكْرًا لَمَّا رَأَى أَبَاهُمْ مَقْتُولًا وَهُوَ ذُو الثدية بِخِلَافِ مَا جَرَى يَوْمَ الْجَمَلِ وصفين ؛ فَإِنَّ عَلِيًّا لَمْ يَفْرَحْ بِذَلِكَ بَلْ ظَهَرَ مِنْهُ مِنْ التَّأَلُّمِ وَالنَّدَمِ مَا ظَهَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ سُنَّةً بَلْ ذَكَرَ أَنَّهُ قَاتَلَ بِاجْتِهَادِهِ . فَأَهْلُ الْمَدِينَةِ اتَّبَعُوا السُّنَّةَ فِي قِتَالِ الْمَارِقِينَ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَتَرَكَ الْقِتَالَ فِي الْفِتْنَةِ وَعَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِخِلَافِ مَنْ سَوَّى بَيْنَ قِتَالِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ بَلْ سَوَّى بَيْنَ قِتَالِ هَؤُلَاءِ وَقِتَالِ الصِّدِّيقِ لِمَانِعِي الزَّكَاةِ فَجَعَلَ جَمِيعَ هَؤُلَاءِ مِنْ بَابِ الْبُغَاةِ كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ مَنْ فَعَلَهُ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ ؛ فَإِنَّ هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا . وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالسُّنَّةِ فَرَّقُوا بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَاتَّبَعُوا النَّصَّ الصَّحِيحَ وَالْقِيَاسَ الْمُسْتَقِيمَ الْعَادِلَ ؛ فَإِنَّ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ مِنْ الْعَدْلِ وَهُوَ: التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت