الصفحة 94 من 301

الهمزة اللمزة بالحطمة!! فإنه لما وسمه بهذه السمة بصيغةَ أَرشدت الى أَنَّها راسخةُ فيه ومتمكنة منه، اتبع المبالغة بوعيده بالنار التي سمّاها الحطمة لما يُلقى فيها، وسلك في تعيينها صيغة مبالغة على وزن الصيغة التي ضمنه الذَّنب، حتى يحصلَ التعادل بين الذَّنْب والجزاء، وهذا الذي ضرى بالذنب جزاؤه. هذه الحطمة التي هي ضاربةُ تُحطّمُ كلَّ ما يُلقى اليها )) [1] . من هذا يتضح أن الهمزةَ واللمزةَ ذنبان عظيمان، ولما أُريد التعبير عن العقاب الذي ينتظر هذين الذنبين اُختيرت الحطمة لتتوافق مع عظم الذنب المرتكب. اما المحدثون فمنهم الدكتور عبد الحميد هنداوي فلم ينأَ عن هذا المعنى إذ قال: (( ومن ثم نلاحظ أَنَّ السورةَ قد وظّفت صيغة المبالغة(فُعَلَة) هنا توظيفًا فنّيًا رائعًا فيعتمدُ على التوازي الصرفي بين تكرار صيغة (فُعَلَة) في وصف هذا الآثم، وتكرار الصيغةُ ذاتها في وصف الذي اُعِّدَ له مقابل بغيهِ وأشرهِ، وبطرهِ، وعلّوهِ في الشرِّ، وتماديه فيه )) [2] .

ولبيان قدرة اللهُ عز وجل اللا متناهية يختار تعالى صيغة المبالغةَ فعِيْل. قال تعالى: (( إِنَّ الله على كل شيء قدير ) )البقرة /20، قال الطبرسي (ت 548هـ) : (( القديرُ مبالغة من صفة القادر ) ) [3] فقد اختار عز وجل هذه الصيغة لبيان قدرته التي لا ترتقي اليها قدرة، وتطالعنا صيغة (فِعِّيل) في وصف كتاب الفُجّار، قال تعالى: (( كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ) )المطففين 7 - 8. قال الطبرسي: (( السجِّين، فِعّيل، من السجن وقيل: السجّين هو السجنُ على التخليد؛ لأَنَّ هذا الوزنَ للمبالغة ) ) [4] . اما الفخر الرازي (ت 606هـ) فقد تابع سابقه على هذا المعنى قائلًا: (( سِجِّين، فِعِّيل، من السجن والحبسِ والتضييق، كما يقال: فِسِّيق من الفسق، وقد جاء هذا الوصف من اللهِ تعالى بالتسفّل، والظلمةِ، والضيق، وحضور الشياطين ) ) [5] وهذا الوصف (سجّين) لم يرد في القرآن الكريم

(1) الانتصاف، طبع مع الكشاف 4/ 795، ينظر: تفسير ابي السعود 5/ 901.

(2) الإعجاز الصرفي في القرآن 230.

(3) مجمع البيان في تفسير القرآن 6/ 375.

(4) المصدرُ نفسه 10/ 451.

(5) التفسير الكبير 31/ 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت