لما فيه من المكروه )) [1] . اما الفخر الرازي (ت 606هـ) فلم ينأ عن سابقه في إفادة المعنى ذاته مضيفًا إليه أَن (( الحَذَرُ، التّحذّر والتيقّظ ) ) [2] . مما ذهب اليه الفخر الرازي يتبيّن أنه لم يرد بالحذر الاستعداد واليقظة فحسب بل اراد المبالغة فيهما وذلك بيِّن من التشديد الذي أدخله على المعاني التي أفادها. ولم يَكُ المفسرون القدامى وحدهم قد اجمعوا على دلالة واحدة للتحذير بل تابعهم المحدثون ومنهم السيد عبد الأَعلى الموسوي السبزواري (ت1992م) فقد قال: (( حذر تأتي بمعنى الاحتراز عما يُخاف منه ) ) [3] . وفي موضع ثان أَفاد المفسِّرُ ذاته الدلالةَ ذاتها مبينًا أَصل التحذير: (( التحذيرُ من الحَذَرِ، وهو الاحتراز عن أَمر مُخَوّف والابتعاد عنه ) ) [4] .
مما ذهب اليه النحاة والمفسرون في إفادتهم للتحذير يمكن أن تُعد مذاهبُهم تعريفًا اصطلاحيًا للتحذير. وباستقراء تلك النصوص جميعًا يتضح لنا لاثمّةَ تباين فيما ذهبوا إليه، إذ أن التخويف يتطلب استعدادًا وتأهبًا وهذان المعنيان - الاستعداد والتأهّب- هما الحذرُ بعينه، فالتخويف مقدمةُ للتحذير. ويمكن أَن تجمع رؤى العلماء في التحذير ليُستنتج منها تعريفًا له يكون اكثر توافقًا مع دراستنا، فيمكن أن يقال: التحذير نهي عن فعل الشيء المَحذَّر منه - أو المخَوَّف منه- بإظهار مساوئه وأَضراره عن طريق الأَساليب النحوية والدلالات السياقية التي تُجسّد هذا الشيء، راسمةً له صورة مخيفةً، لها أَثر نفسي عند المتلقّي مما يجعلهُ ينفر ويرتهب عند سماعه تلك الأَساليب والسياقات.
ومادام كلّ من الأَساليب النحوية والدلالات السياقية متعددة فقد تابعها تعدد السُبُل التي تُفيد التحذير. فتارةً تلاحظ الإِفادة جُسّدت باعتماد أَصل مفردة التحذير (حذر) أو ما يشتقُّ منها، وتارة أخرى يُعمد لإفادة التخويف الى الفاظ تُفيد دلالتها المعجمية التحذير كالإِنذار والخشية، والخوف. ... أمّا الدلالات السياقية وتتم من خلال ما يحملُه السياق من تراكيب صوتية وصرفية تستدعي متلقّيها للإقبال اليها والانعام فيها، وإذا ما تَمَّ الإِقبال
(1) المصدر نفسه 11/ 370.
(2) التفسير الكبير، للإِمام الفخر الرازي، مطبعة البهية، مصر، ط1، 1357هـ: 11/ 26 - 27.
(3) مواهب الرحمن في تفسير القرآن: السيد عبد الاعلى الموسوي السبزواري، مطبعة الآداب، النجف الاشرف، العراق، ط1، 1987م: 4/ 103.
(4) المرجع نفسه 5/ 195.