لأنه يعني ما تتهيج به النارُ، وتذكا به [1] . كما أَنَّ في هذا المعنى العموم، اذ أَنَّ اصَلهُ ما يرمى في النار [2] . فما تتهيج به النار او يُرمى بها لإرادة تهيجها انما يُؤتى بذلك لإرادة تحذير السامع من الأَعمال التي تؤدي به الى النار.
ب-فَاْعِل: رأى سيبويه أَنَّ المصدرَ يقع موقع اسم الفاعل [3] . ومن مجيء هذا المعنى في سياق الوعيد لمن بنى جنةً بالدنيا وظنَّ أَنها لن تبيد أبدا قال تعالى متوعّدًا: (( وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ) )الكهف 40 - 41. فقد استعمل القرآن الكريم غورًا بمعنى غائر وقد أشار الى هذا المعنى سيبويه بقوله: (( غرتُ، فأنا أَغورُ غؤورًا وهو غائر ) ) [4] .
قال الطبري (ت310هـ) : (( يقولُ: أَو يُصبحُ ماؤها غائرًا، فوضع الغورَ، وهو مصدرُ مكان الغائر ) ) [5] . وقد بقى الشيخ الطوسي (ت460هـ) في المعنى ذاته بقوله: (( المعنى غائرًا، فوضع المصدر موضع الصفة ) ) [6] . بعد أَنَّ تبيّن أن غور خرج لمعنى غائر، لنتأمّل معًا ما أفاده المعنى الثاني. قال الطبرسي (ت548هـ) (( اي: غائرًا في باطن الأرض، غامضًا منقطعًا، فيكون أعدم أرض للماء بعد أن كانت أوجد أرض للماء ) ) [7] . والى مثل هذا ذهب القرطبي (ت671هـ) حيث قال: (( غورًا، أَي: غائرًا ذاهبًا، فتكون أَعدم أرض للماء بعد أن كانت أوجد أرض للماء. والغور مصدر وُضِعَ موضع الاسم،( ... ) ، وماءُ غور، وقد غار الماء يغورُ غورًا وغؤورا، أَي سَفُل في الأَرض )) [8] . وقد تابع السيد الطباطبائي سابقيه على هذا فقد ذكر أن (( غورًا صيرورته غائرًا ذاهبًا، في باطن
(1) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 17/ 280، الجامع لاحكام القرآن 11/ 344، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 17/ 96، الميزان في تفسير القرآن 14/ 327.
(2) ينظر: الميزان في تفسير القرآن 14/ 327.
(3) ينظر: كتاب سيبويه 4/ 50.
(4) المصدر نفسه 4/ 50.
(5) جامع البيان عن تأويل آي القرآن 15/ 249.
(6) التبيان في تفسير القرآن 15/ 48.
(7) مجمع البيان في تفسير القرآن 6/ 471.
(8) الجامع لأحكام القرآن 10/ 409.