الصفحة 315 من 384

في التشبيه الصريح لاقتصاره على طرفي التشبيه دون الأداة، ووجه الشبه حتى إن البلاغيين غالبا ما كانوا يخلطون بينه وبين الاستعارة لابتعاد المعنى فيه عن المباشرة.

ومن المهم أن أنوه بأن البلاغيين يتناولون هذه الفنون من مبدأ الوقوف على العلاقة اللطيفة الدقيقة بفكرة الخلق الفني الجديد التي تكمن دلالتها في العلاقة الفنية وتحلل على هذا الأساس الفني الذي لأجله أيضا تدرس أي أن العملية فنية برمتها.

ولولا أن ربط طرفي التشبيه البليغ يكون ذهنيا لم أدخله البلاغيون في المجاز لذلك ارتبطت بلاغة التشبيه به. وفن التشبيه من الفنون المتداولة في الكلام المعتاد والأدبي بكثرة لذلك والمبالغة للإتيان بشيء جديد فيه ليس سهلا لأنه (( أشد ما تكلفه الشاعر صعوبه لم يحتاج إليه من شاهد العقل واقتضاء العيان ) ) [1] .

وللانتقال المعنوي في هذا الجزء من التشبيه قوة دلالية جعلته بليغا ففيه (( يمثل الشيء بما هو أعظم منه في الاتصاف بالصفة، أو أحسن منه في الصورة أو المعنى، فيأتي الحسن حينئذ من الغلو والمبالغة، وهذا كقول الشاعر في وصف الخمر:

وكأنها وكأن حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على الندماء

شمس الضحى رقصت فنقط وجهها ... بدر الدجى بكواكب الجوزاء

فأنظر إلى ما أبدعه في المبالغة بهذا التشبيه، إذ شبه الساقي بالبدر، وشبه الخمر بالشمس، وشبه حبها بالكواكب، إغراقا في ذلك ومبالغة فيه. وإفادة التشبيه المبالغة من أعظم مقاصده، وكلما كان الانحراف في التشبيه، والإبعاد فيه، وكونه متعذر الوقوع والحصول كان أدخل في البلاغة وأوقع فيها )) [2] .

وقد بين العلوي في نصه مجال المبالغة الممكن في المعنى المراد شبيهه، واختلفت فيه التسميات بحسب عناصره فهو (عقلي) إذا كان أحد طرفيه، أو كلاهما لا يدرك بالحس، بل بالخيال ويدخل معه الوهمي الذي لم تعرف له صورة حقيقية، أو خيالية ولكن تفهم من خلال العرف بالخيال أيضًا.

(1) العمدة: ج1/ 285.

(2) الطراز: ج1/ 275.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت